رؤية لحية الجد في المنام مشهد يحمل رائحة الذاكرة والجذور، فالجد في الوجدان العائلي صورة للأصل والخبرة الطويلة والحنان الهادئ. وينبغي أن يُذكر في البداية أن الرؤيا رمزية في أصلها وليست حرفية، فلا تُنقل تفاصيلها إلى الواقع كما هي. وقد تكون الصورة انعكاسًا لاشتياق أو لذكرى قديمة، وقد تكون إشارة معنوية إلى حال الرائي ومرحلته. ولذلك تُقرأ بهدوء وبعيدًا عن التهويل أو الجزم.
واللحية في الرموز العامة للمنام ترتبط بالهيبة والوقار وبالتقدم في العمر وما يصحبه من تجربة ومكانة. وإذا اتصلت بالجد فإنها تصبح رمزًا للعمق الزمني وللحكاية الطويلة التي تقف خلف الأسرة. فقد تشير الصورة إلى الحاجة إلى الرجوع إلى الأصل أو إلى الإحساس بالانتماء إلى بيت له تاريخ. وقد تدل على رغبة في الاستفادة من تجارب الكبار قبل اتخاذ قرار. ويبقى لعلاقة الرائي بجده أثر كبير في صبغ هذا المعنى بلون الدفء أو بلون الاشتياق.
نُسب إلى ابن سيرين أن اللحية في المنام تدل على الجاه والمنزلة وعلى ما يتصل بالقدر والاعتبار. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن بياض الشعر في الرؤى قد يدل على التجربة والمكانة إذا كان صاحبه محمود الهيئة. وهذه الأقوال عامة، ولم يفرد القدماء لحية الجد بباب خاص، فالرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. لذلك يستند المعاصرون إلى القياس والاجتهاد وإلى أحوال الرائي. واختلاف الآراء في هذا الباب أمر معروف، فلا يُجعل رأي منها فصلًا قاطعًا.
ويؤثر السياق في المعنى تأثيرًا واضحًا. فإن بدا الجد هادئًا بلحية مرتبة بيضاء، فالصورة أقرب إلى الطمأنينة وإلى حضور الخبرة والبركة في الأسرة. وإن ظهر متعبًا أو صامتًا، فقد تشير الرؤيا إلى رغبة الرائي في السؤال عن كبار أسرته أو في تقوية الصلة بهم. وإن كان الجد قد رحل، فالرؤيا لا تخبر عن حاله ولا عن مصيره، وإنما هي ذكرى ومشاعر تتحرك في النفس. وما يشعر به الرائي بعد الاستيقاظ هو أقرب مفتاح لفهم الصورة.
وإذا كانت الرائية عزباء، فقد ترمز الرؤيا إلى رغبتها في الاستقرار والجذور، أو إلى أثر قيم الأسرة في تصورها لمستقبلها. وقد تدل على حنين إلى أيام الطفولة وبيت العائلة. وليس في ذلك وعد بأمر محدد ولا تحذير من شيء. والأولى أن تأخذ منها شعورًا بالاعتزاز بأصلها وبما تعلمته من كبار أسرتها. ويحسن أن تبتعد عن بناء قرار في الارتباط على مشهد منامي وحده.
وأما المتزوجة فقد تعبّر عن اشتياقها إلى جو الأسرة الكبيرة أو عن رغبتها في أن يعرف أولادها جدهم وتاريخ عائلتهم. وقد تشير إلى حاجة البيت إلى حكايات الكبار وخبرتهم في تربية الأبناء. وإن كانت حاملًا فلا تدل الرؤيا على جنس المولود ولا على حال الحمل، وليست نصيحة طبية، والرجوع في الصحة إلى الطبيب. وأما الرجل فقد يرى فيها صورة لما ورثه من خصال أو لما يتمنى أن ينقله إلى أبنائه من قيم طيبة. والمريض لا يجعل الرؤيا ميزانًا لمرضه.
وللتفاصيل الدقيقة قيمتها. فاللحية البيضاء الطويلة قد توحي بسعة الخبرة، والقصيرة المرتبة توحي بالبساطة والاعتدال. وإن كان الجد يبتسم أو يشير بيده بلطف فهذا أقرب إلى القبول والسكينة. وإن كان المكان بيت العائلة القديم فالأرجح أن المعنى يتصل بالانتماء. أما إن كان المشهد في مكان مظلم أو مزدحم فقد يميل المعنى إلى انشغال الذهن بأمور كثيرة، دون أن يكون في ذلك إنذار بشيء.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد تكون هذه الرؤيا دعوة هادئة إلى جمع شتات الذكريات الطيبة وتسجيلها، أو إلى زيارة قريب كبير في السن والسؤال عنه. وقد تمنح الرائي إحساسًا بالأمان لأنه يستحضر صورة مألوفة من طفولته. ومن كان يمر بقلق أو ضغط فقد يكون الحلم محاولة من النفس لاستدعاء الطمأنينة. وليس فيها تشخيص لحال صحية، ومن أحس بما يستدعي الفحص فليراجع الطبيب المختص.
ومما يُعين على فهم هذه الرؤيا أن ينظر الرائي إلى الجو العام الذي أحاط بها قبل أن يتوقف عند صورة اللحية وحدها. فالدفء الذي يصاحب المشهد، أو الصمت الذي يغلفه، أو الأصوات البعيدة التي تُسمع فيه، كلها إشارات إلى حال النفس أكثر منها إلى حدث قادم. وكثيرًا ما تأتي صورة الكبار في الأسرة في أوقات يحتاج فيها الإنسان إلى طمأنينة أو إلى مرجع يستند إليه. وقد تكون الرؤيا مجرد اشتياق لطيف لا يحمل أكثر من ذلك. ولذلك يحسن أن يأخذ الرائي منها ما يبعث على الصلة والمودة، وأن يترك ما سوى ذلك دون إلحاح في الظن.
وبعد هذا كله، فإن ما ذُكر في تفسير هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه خوف أو جزم. والأولى أن يحسن الرائي الظن بالله، وأن يدعو لأهله بالخير والعافية والبركة. ويُدعى بأن يجعل الله ما رآه الإنسان خيرًا ورحمة. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما سواه ظنون واجتهادات.
