رؤية لحية في مكان غريب في المنام تجمع بين رمز مألوف وبيئة غير مألوفة، فتثير في النفس تساؤلًا عن معنى هذا التركيب. وينبغي أن يُذكر في البداية أن الرؤيا رمزية في أصلها وليست حرفية، فالمكان الغريب في الأحلام كثيرًا ما يكون ترجمة لشعور داخلي أكثر منه موضعًا حقيقيًا. وقد تكون الصورة انعكاسًا لمرحلة انتقال أو لإحساس بعدم الألفة تجاه أمر ما. والأولى أن تُقرأ بهدوء، وأن يُنظر إلى ما أحسه الرائي من حيرة أو فضول.
واللحية في الرموز العامة ترتبط بالهيبة والوقار والعناية بالمظهر، وبالتقدم في العمر وما يحمله من خبرة ومسؤولية. وحين تظهر في مكان غريب فإن المعنى قد يتجه إلى حضور الوقار والخبرة في موقف جديد أو غير مألوف. فقد تدل على أن الرائي يحتاج إلى الاتزان وهو يدخل بيئة جديدة، أو أن شخصًا ذا خبرة سيكون حاضرًا في أمر لم يعتده. وقد تعبّر عن إحساس بالغربة يخفف منه وجود رمز مألوف. وكل ذلك احتمالات تتوقف على تفاصيل المنام.
نُسب إلى ابن سيرين أن اللحية تدل في الجملة على الجاه والمنزلة وزيادة القدر، وأن الأمكنة في الرؤى تدل على الأحوال التي يعيشها الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المكان الغريب قد يشير إلى تحول في الحال أو سفر أو انتقال، تبعًا لهيئته وما يجري فيه. وهذه الأقوال عامة، ولم يتناول القدماء هذا التركيب تحديدًا، والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. لذلك يبقى القياس والاجتهاد هما الطريق، ويختلف المفسرون في ذلك اختلافًا واسعًا. فلا يُعدّ قول منهم قاطعًا.
ويغيّر السياق الدلالة تغييرًا كبيرًا. فإن كان المكان الغريب فسيحًا هادئًا والرائي مطمئنًا، فالصورة أقرب إلى انفتاح على تجربة جديدة تحمل في طياتها خيرًا. وإن كان المكان ضيقًا أو مظلمًا، فقد يرمز إلى انشغال ذهني أو حيرة، دون أن يكون في ذلك إنذار بشيء. وإن كان المكان غير منطقي كأن تظهر اللحية على جدار أو في سماء، فهذا من اتساع خيال الأحلام، ويحمل دلالة نفسية أكثر منه دلالة واقعية. وإن تكرر المشهد فقد يكون الانشغال بالأمر ذاته هو السبب.
وإذا كانت الرائية عزباء فقد تعبّر الصورة عن مرحلة انتقالية، كدراسة جديدة أو عمل أو سكن، وعن حاجتها إلى ما يطمئنها فيها. وقد تدل على رغبتها في أن تجد حولها حضورًا ناضجًا يسندها. وليس فيها وعد بحدث ولا تحذير من أحد. والأولى أن تأخذ منها دافعًا إلى التهيؤ للمرحلة القادمة، وأن تستعين بالله ثم بأهل الخبرة.
وأما المتزوجة فقد ترمز الرؤيا إلى انشغالها بتغير في أحوال الأسرة، كانتقال أو سفر أو تبدل ترتيبات الحياة. وقد تدل على حاجتها إلى أن تشعر بالألفة في وضع جديد. وإن كانت حاملة فلا تدل الرؤيا على جنس المولود ولا على سلامة الحمل، وليست نصيحة طبية، والمرجع هو الطبيب. وأما الرجل فقد يرى فيها صدى لقلقه من موقع جديد في عمله أو بيئة لم يتعود عليها، أو تأملًا في دوره الجديد. وتتفاوت هذه المعاني بتفاوت أحوال الرائين.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها. فنوع المكان، من حيث كونه طريقًا أو بيتًا أو ساحة أو مكانًا مجهولًا، يعطي المعنى اتجاهه. ولون اللحية وطولها وترتيبها يضيفان إشارات إلى طبيعة الحضور الذي يرمز إليه المنام. وإن كان الرائي يمشي في المكان بخطى ثابتة فهذا أقرب إلى الثقة، وإن كان تائهًا فقد يدل على حاجة إلى تحديد الاتجاه. والإضاءة والأصوات وما حول المشهد قرائن لا تقل أهمية.
ومن المفيد كذلك أن يتذكر الرائي ما قبل المنام من أحداث وأفكار، فكثيرًا ما تنتقل مشاهد النهار إلى الليل في صور مركبة. وربما كانت اللحية صورة مرت عليه في وجه أو إعلان، والمكان الغريب صورة من ذاكرة بعيدة، فالتقيا في الحلم. وهذا التركيب لا يعني بالضرورة رسالة خفية. والاكتفاء بالتأمل الهادئ فيه أنفع من التعمق في احتمالاته.
ومن الوجهة العملية والنفسية، قد تكون هذه الرؤيا دعوة إلى الاستعداد للتغيير بما يقلل الإحساس بالغربة، كتعرف المكان الجديد، أو التحدث إلى من سبقه، أو تنظيم الوقت. وكثيرًا ما يخفف الإنسان قلق التجديد بالتخطيط والتدرج. وليست الرؤيا نصيحة طبية ولا تشخيصًا، ومن أحس بقلق شديد فعليه مراجعة المختص.
وبعد هذا كله، فإن ما ذُكر في تفسير هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه خوف أو جزم. والأولى أن يحسن الرائي الظن بالله، وأن يتوكل عليه في كل انتقال. ويُدعى بأن يجعل الله ما رآه الإنسان خيرًا، وأن يرزقه الألفة والطمأنينة حيثما كان. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما سواه ظنون واجتهادات.
