رؤية لحية المعلم في المنام مشهد يستدعي صورة التعليم والتوجيه والاحترام الذي يحمله الإنسان لمن علّمه. وينبغي أن يُذكر في البداية أن الرؤيا رمزية في أصلها وليست حرفية، فلا تُنقل صورتها كما هي إلى الواقع. وقد تكون الصورة انعكاسًا لذكريات الدراسة، أو لحاجة الرائي إلى مرشد في أمر ما، أو لمرحلة تعلم يمر بها. والأولى أن تُقرأ بهدوء، وأن يُنظر فيها إلى الشعور الذي بقي بعد الاستيقاظ.
وفي الرموز العامة تدل اللحية على الهيبة والوقار والعناية بالمظهر، وعلى التقدم في العمر وما يصاحبه من خبرة. وإذا ارتبطت بالمعلم فإنها تصير رمزًا للخبرة التعليمية وللمكانة التي يحتلها المرشد في نفس طلابه. فقد تشير الرؤيا إلى رغبة الرائي في الاستزادة من العلم أو في أخذ رأي من هو أعلم منه. وقد تعبّر عن إحساس بالمسؤولية تجاه ما تعلمه، أو عن خوف من التقصير في مرحلة دراسية. ويظل المعنى مرتبطًا بنوع علاقة الرائي بمعلمه وبما شعر به في المنام.
نُسب إلى ابن سيرين أن اللحية تدل في الجملة على الجاه والمنزلة وزيادة القدر، وأن حسنها يشير إلى صلاح الأمر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الهيئة الحسنة في الرؤى تشير إلى حسن الحال وإلى القبول بين الناس. وهذه الأقوال عامة، ولم يتناول القدماء لحية المعلم بتفصيل خاص، فالرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. لذلك يبقى القياس والاجتهاد هما الطريق في تفسيرها. ويختلف المفسرون في هذا الباب اختلافًا ظاهرًا، فلا يُعدّ رأي منها قاطعًا.
ويؤثر السياق في المعنى تأثيرًا كبيرًا. فإن ظهر المعلم بلحية مرتبة وهو يشرح بهدوء، فالصورة أقرب إلى الاستفادة والتوجيه الحسن وإلى استحضار خبرة ينتفع بها الرائي. وإن ظهر غاضبًا أو متشددًا، فقد يرمز ذلك إلى خوف من الاختبار أو من الأخطاء، وهو في الغالب أثر من ضغط الواقع أكثر منه إخبارًا عن شيء. وإن كان المعلم من أيام المدرسة القديمة، فقد تكون الرؤيا من أثر الحنين. وإن كان غير معروف، فقد يكون رمزًا لحاجة الرائي إلى إرشاد لم يجده بعد.
وإذا كانت الرائية طالبة أو عزباء فقد تدل الصورة على انشغالها بدراستها وبمن يوجهها في مسارها، أو على رغبتها في رأي ناضج في قرار مقبل. وقد تعبّر عن احترام لمن أفادها بعلمه وأدبه. وليس فيها وعد بنتيجة امتحان ولا تحذير من إخفاق. والأولى أن تأخذ منها دافعًا إلى الاجتهاد والاستعداد، وإلى سؤال أهل الخبرة عند الحاجة، مع التوكل على الله في الأمر كله.
وأما المتزوجة فقد ترمز الرؤيا إلى اهتمامها بتعليم أبنائها وتربيتهم، وإلى بحثها عن قدوة طيبة تعينها. وقد تعبّر عن رغبتها في تعلم مهارة جديدة أو في إكمال دراسة مؤجلة. وإن كانت حاملًا فلا تدل الرؤيا على نوع المولود ولا على سلامة الحمل، وليست نصيحة طبية، فالمرجع في الصحة هو الطبيب. وأما الرجل فقد يرى فيها حاجته إلى مرشد في عمله أو في مسؤولية جديدة، أو شعورًا بفضل من أخذ بيده يومًا. وكلها احتمالات تتبع واقع الرائي.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها. فمكان اللقاء، فصلًا كان أو مكتبًا أو طريقًا، يعطي إشارة إلى نوع الشأن الذي يشغل الرائي. وطول اللحية وبياضها وسوادها يضيف قرائن عن مرحلة الخبرة في الصورة. وإن كان المعلم يهدي الرائي كتابًا أو يشير إليه بشيء، فذلك أقرب إلى فتح باب نفع أو معرفة. وإن كان يكلمه كلامًا لا يُسمع، فقد يدل على حيرة في فهم أمر ما.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد تكون هذه الرؤيا دعوة إلى استحضار الأثر الطيب لكل من علّم الإنسان خيرًا، وإلى شكرهم والدعاء لهم. وقد تدفع الرائي إلى تحديد هدف تعليمي واضح أو إلى طلب استشارة ممن هو أخبر منه. وكثيرًا ما تأتي صور المعلمين في المنام عند الشعور بالحيرة أو بالحاجة إلى ترتيب الأولويات. وليست الرؤيا تشخيصًا لحال جسدية ولا نفسية، ومن أحس بمشقة تؤثر في حياته فعليه مراجعة المختص.
ومما يحسن الانتباه إليه أن صورة المعلم في المنام قد تأتي في أوقات الامتحانات أو الانتقال من مرحلة إلى أخرى، لأن النفس تستحضر عندها رموز الإشراف والتقويم. فإذا كان الرائي يمر بمثل هذه الفترة فالأرجح أن الصورة صدى لما يعيشه من ترقب. وإذا لم يكن كذلك فقد تكون ذكرى عابرة أيقظها موقف أو كلمة سمعها في يومه. وفي الحالتين لا يلزم أن يُحمَّل المشهد أكثر من ذلك، ويكفي أن يُستفاد منه في ترتيب الأولويات وطلب العون عند الحاجة.
وبعد هذا كله، فإن ما ذُكر في تفسير هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه خوف أو جزم. والأولى أن يحسن الرائي الظن بالله، وأن يجتهد في طلب العلم النافع والعمل به. ويُدعى بأن يجعل الله ما رآه الإنسان خيرًا، وأن يرزقه التوفيق والسداد. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما سواه ظنون واجتهادات.
