قد يرى الإنسان في منامه سريرًا في مكان غريب لا يعرفه، كغرفة لم يدخلها من قبل أو بناء لا يتذكر ملامحه، فيستيقظ وفي نفسه شيء من الحيرة. وهذا النوع من الأحلام شائع، وهو غالبًا تعبير عن حالة نفسية أو عن مرحلة يمر بها الإنسان أكثر من كونه إشارة إلى واقع بعينه. والرؤيا رمزية في أصلها، ولا تُعد خبرًا مؤكدًا عن أمر قادم، ولا يصح أن يُبنى عليها خوف أو قرار. وما يلي قراءة تأملية تختلف باختلاف حال الرائي.
السرير رمز للراحة والأمان والخصوصية، والمكان الغريب رمز لما هو جديد أو مجهول أو غير مألوف في حياة الإنسان. وحين يجتمعان فقد يدل ذلك على سعي النفس إلى إيجاد الراحة في وضع جديد، أو على شعور بالغربة وعدم الانتماء مؤقتًا. وقد يعبّر الحلم عن مرحلة انتقالية يتهيأ فيها الرائي لمكان أو عمل أو حال مختلفة. ويتوقف ذلك على شعوره: أهو مطمئن أم متوجس.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله المعبرون أن الدخول إلى مكان مجهول في المنام قد يُحمل على الانتقال إلى حال جديدة بحسب هيئة المكان وسعته ونوره. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المساكن الغريبة تُنظر بحسب جمالها وضيقها وما يشعر به الرائي فيها. وتختلف عبارات المعبرين في هذا الباب، ولا يوجد قول يُعتمد عليه وحده. فتؤخذ على سبيل الاستئناس وتُقدَّم عليها معرفة الرائي بأحواله.
للسياق أثر كبير، فإن كان المكان الغريب واسعًا نظيفًا مضيئًا فالأقرب أن الحلم يعبر عن انفتاح وتقبل لما هو جديد. وإن كان ضيقًا مظلمًا فقد يعكس قلقًا من المجهول أو إحساسًا بالحصار. وإن وجد الرائي السرير مريحًا في ذلك المكان فربما دل على قدرته على التكيف، وإن وجده غير مريح فقد يدل على صعوبة في التأقلم. وكل ذلك لا يخرج عن دائرة الاحتمال.
للطالب قد يدل الحلم على قلقه من بيئة دراسية جديدة أو مرحلة مختلفة وما فيها من مجهول. وللعامل قد يعبّر عن توجس من تغيير في مكان العمل أو مهامه. وللمرأة التي تدير بيتها قد يعكس رغبة في التهيؤ لتغيير في ترتيب البيت أو أحوال الأسرة. وللشاب قد يشير إلى مرحلة بحث عن مكانه في الحياة وتهيؤ لخطوات جديدة، دون جزم بأمر معين.
ومن التفاصيل ما يُنظر إليه في وجود الآخرين في المكان، فالمكان الخالي يوحي بانفراد أو وحدة، والمكان المزدحم قد يوحي بتزاحم أمور حول الرائي. وكذلك يُنظر إلى مدى وضوح المكان، فالمكان الواضح يوحي بوضوح الرؤية، والغامض يوحي بالتردد. وإن كان الرائي يعرف في نفسه أن المكان لا يخصه فقد يعبّر عن شعور بأنه ضيف في موقف ما. وإن أحس بأنه في بيته رغم غرابة المكان فقد يدل على طمأنينة داخلية لا تتأثر بالمكان.
وقد يكون الحلم قريبًا من الواقع، كأن يكون الرائي قد زار مكانًا جديدًا مؤخرًا، أو يفكر في الانتقال، أو شاهد صورًا لأماكن لم يألفها. فالعقل يمزج ما رآه في اليقظة ويصنع منه مشاهد جديدة. ولا حاجة إلى تحميل الحلم أكثر مما يحتمل، فهو في الأغلب صدى لما يشغل الرائي. ويبقى الشعور الباقي بعد الاستيقاظ أهم من تفاصيل المكان نفسها.
من الناحية العملية والنفسية فإن ما يعين على التأقلم مع الأماكن الجديدة أن يحمل الإنسان معه بعض ما يألفه من أغطية أو وسادة أو أشياء صغيرة تمنحه الشعور بالألفة. ويفيد ترتيب المكان الجديد سريعًا بحيث تصبح غرفة النوم مريحة، وتثبيت مواعيد النوم رغم تغير الأجواء. كما أن التعرف التدريجي على المكان وأهله يخفف الإحساس بالغربة. وهذه اقتراحات عامة للعناية بالراحة وليست علاجًا. ويستحسن أن يمنح الإنسان نفسه مهلة كافية قبل أن يستنتج أن المكان الجديد لا يناسبه. وإذا شعر بالغربة فليتحدث عن مخاوفه مع من يثق به، فالمشاركة تخفف الحمل.
والحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن كان الرائي يعاني أرقًا متكررًا أو قلقًا مستمرًا أو إرهاقًا ظاهرًا فعليه أن يراجع طبيبًا أو مختصًا. ولا ينبغي أن يجعل من الرؤيا سببًا للتشاؤم أو الخوف، فالسرير في مكان غريب لا يدل على أمر محدد سيقع. ومن الحسن أن يتأمل الإنسان أحواله بهدوء ويتقبل ما يستجد بطمأنينة. فالتأقلم يأتي مع الوقت والصبر.
وفي الختام فإن ما ذُكر من معانٍ إنما هو اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار مصيري. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بالأسباب ويحسن الظن بربه. ويحسن بالرائي أن يدعو بالتيسير وطمأنينة القلب وراحة النوم. والله أعلم.
