قد يرى الإنسان في منامه أنه يقفز على سريره، يعلو ويهبط كما يفعل الأطفال، فيستيقظ وفي نفسه خفة أو ابتسامة أو شيء من الاستغراب. وهذه الصورة مرحة في ظاهرها، وهي غالبًا ترتبط بالحيوية أو بالحنين إلى أيام الطفولة. والرؤيا رمزية في أصلها، ولا تُعد خبرًا مؤكدًا عن أمر قادم، ولا يصح أن يُبنى عليها فرح مبالغ فيه أو قرار. وما يرد هنا قراءة تأملية تختلف بحسب حال الرائي وظروفه.
السرير رمز للراحة والأمان والخصوصية والاستقرار، والقفز رمز للطاقة والحركة والانطلاق والتحرر من الجمود. فقد يدل اجتماعهما على رغبة في المرح وتخفيف الجدية الزائدة، أو على طاقة مكبوتة تبحث عن متنفس. وقد يعبّر أيضًا عن حنين إلى بساطة الطفولة وصفائها، أو عن فرح داخلي يريد أن يظهر. ولا يُقطع بمعنى واحد، فالمعنى يتحدد بما يشعر به الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله المعبرون أن الحركة والوثب في المنام قد تُحمل على نشاط أو سعي بحسب هيئتها وما يصحبها من سلامة أو اضطراب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن حركات الإنسان في المنام تُنظر بحسب ما تدل عليه من خفة أو ثقل وما ينتهي إليه الحال. وتتفاوت عبارات أهل التعبير في هذا الباب، وفيها اختلاف في التفاصيل. فتُؤخذ على سبيل الاستئناس لا على سبيل الجزم.
للسياق أثر كبير، فإن كان القفز مبهجًا والرائي ضاحكًا خفيفًا فالأقرب أن الحلم يعبر عن انشراح وحيوية. وإن كان القفز متعبًا أو كان السرير يهتز بعنف فقد يعكس ذلك توترًا أو اندفاعًا زائدًا. وإن كان القفز في غرفة ضيقة فقد يدل على رغبة في الانطلاق دون مساحة كافية. فالشعور المصاحب للحركة هو أصدق ما يُستدل به.
للطالب قد يدل الحلم على رغبته في الترويح عن نفسه بعد طول الجد، وعلى شوقه إلى فسحة بعد الامتحانات. وللعامل قد يعبّر عن حاجته إلى نشاط ممتع يكسر رتابة العمل. وللمرأة التي تدير بيتها قد يعكس رغبتها في أوقات فرح وبساطة مع أسرتها. وللشاب قد يشير إلى طاقة وحماس ورغبة في التجربة، مع حاجة إلى توجيهها بتعقل واتزان، دون جزم بشيء بعينه.
ومن التفاصيل التي يُنظر إليها ارتفاع القفز، فالقفز الخفيف يوحي بمرح هادئ، والقفز العالي جدًّا قد يوحي بحماس زائد أو رغبة في التحرر. وكذلك يُنظر إلى وجود أطفال يشاركون في القفز، فوجودهم يوحي بالحنين والألفة، وكونه وحيدًا قد يوحي بحاجة إلى متنفس خاص. وإن كان السقوط عن السرير أو الاصطدام بالسقف جزءًا من الحلم فقد يوحي بتذكير بالاعتدال. وكل ذلك احتمال يُقدَّر بحسب الشعور.
وقد يكون الحلم قريبًا من الواقع، كأن يكون الرائي قد رأى أطفالًا يلعبون على السرير، أو تذكر مشهدًا من طفولته، أو كان في يوم مليء بالحماس. فالعقل كثيرًا ما يعيد في المنام ما مرّ به في اليقظة من مرح. ولذلك لا حاجة إلى تحميل الحلم أكثر مما يحتمل، فقد يكون مجرد ابتسامة من الذاكرة. ويبقى الشعور الباقي بعد الاستيقاظ هو الأولى بالاعتبار. وإن كان الرائي يمر بفترة جد طويلة فقد يكون الحلم رسالة لطيفة من النفس تطلب شيئًا من المرح والتخفف.
من الناحية العملية والنفسية فإن الحركة والرياضة المعتدلة تفرّغ الطاقة وتحسن النوم، ولذلك يفيد تخصيص وقت يومي للمشي أو التمارين الخفيفة بدل كبت الطاقة. أما القفز الحقيقي على الأسرّة فقد يعرّض للإصابة وتلف السرير، ويحسن توجيه الأطفال إلى أماكن آمنة للعب. كما أن الابتعاد عن النشاط الحاد قبل النوم بساعات يساعد على الهدوء. وهذه اقتراحات عامة للعناية بالراحة والسلامة وليست علاجًا. ويحسن أن يختار الأهل للأطفال ألعابًا تفرّغ طاقتهم بأمان، وأن يعلّموهم أن السرير للراحة لا للقفز.
والحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن كان الرائي يعاني أرقًا متكررًا أو فرط نشاط يمنعه من النوم أو إرهاقًا مستمرًا فعليه أن يراجع طبيبًا أو مختصًا. ولا ينبغي أن يجعل من الرؤيا سببًا للقلق أو التشاؤم، فرؤية القفز على السرير لا تدل على أمر محدد سيقع. ومن الحسن أن يمنح الإنسان نفسه فسحة من المرح المعتدل بين مشاغله. فالفرح البسيط يخفف أثقال الأيام.
وفي الختام فإن ما ذُكر من معانٍ إنما هو اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار مصيري. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بالأسباب ويحسن الظن بربه. ويحسن بالرائي أن يدعو بالفرح الهادئ وراحة البال وصحة الجسد. والله أعلم.
