رؤيا أسرّة كثيرة من الرؤى التي يغلب فيها معنى العدد والوفرة على معنى السرير الواحد. وقد يرى الرائي غرفة مليئة بالأسرّة أو أسرّة متناثرة في أماكن شتى أو أسرّة لا يحصي عددها. وتفسير الأحلام اجتهاد لا قطع فيه، وما يُذكر هنا رموز تُقرأ على ضوء حال الرائي. وما يلي عرض هادئ لوجوه محتملة بلا جزم ولا تهويل. وليست الرؤيا خبرًا جازمًا عن أمر قادم، وإنما صورة تُتأمل.
السرير رمز للراحة والأمان والخصوصية والبيت والاستقرار، وكثرة الأسرّة تضيف معنى الوفرة وتعدد أسباب الراحة، أو معنى الازدحام وتزاحم الأماكن. فإذا رأى الإنسان أسرّة كثيرة، فقد يعبّر ذلك عن شعور بسعة في مجال الراحة، أو عن انشغال بكثرة ما يحتاج إلى ترتيب. وقد يكون انعكاسًا لمكان فيه أسرة كثيرة عرفه في يقظته كبيت كبير أو مبيت جماعي. وقد يكون خيالًا لا يحمل أكثر من معناه. وكل ذلك احتمال لا جزم فيه.
نُسب إلى ابن سيرين أن تكاثر الشيء في المنام يُقرأ في بعض الأحوال على كثرة ما يتصل به من أحوال، وأن حال الكثير من وفرة أو ازدحام يؤثر في المعنى. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن كثرة متاع البيت تُنظر بحسب ترتيبه واتساع المكان له، فيُحمل على السعة أو على التزاحم. واختلف المفسرون في ذلك، فبعضهم أخذ المعنى المعنوي كالوفرة، وبعضهم عدّه خيالًا لا يُبنى عليه. فالأمر اجتهاد يُعرض بلا إلزام.
السياق يرجّح بين هذه المعاني، فإن كانت الأسرّة مرتبة نظيفة في مكان واسع مال المعنى إلى سعة وراحة وتنظيم. وإن كانت متزاحمة لا يكاد يُمشى بينها مال المعنى إلى انشغال بأمور كثيرة تزاحم بعضها بعضًا. وشعور الرائي، من سرور أو ضيق أو دهشة، قرينة مهمة. وإن كان البيت مألوفًا فالمعنى أقرب إلى شؤون الأسرة، وإن كان مكانًا غريبًا فهو أقرب إلى صورة عامة.
الرجل قد يقرأ هذه الرؤيا على كثرة مسؤولياته في عمله وبيته، فيرى فيها صورة لتعدد ما يحتاج إلى عنايته. والمرأة قد تقرؤها على كثرة ما يشغلها من شؤون البيت والأهل وما يتطلبه من ترتيب. والطالب قد يقرؤها على كثرة مواده وواجباته، والكبير في السن قد يقرؤها على حنين إلى بيت عامر بالأهل. وهذه كلها احتمالات تتبدل بتبدل الأحوال، فلا يلزم أن توافق حال القارئ. ولا يُبنى عليها توقع بعينه.
وللتفاصيل أثرها، فإن كانت الأسرّة متشابهة فالصورة أقرب إلى انتظام وتكرار، وإن كانت مختلفة الأشكال فهي أقرب إلى تنوع في الأمور. وإن كانت جديدة نظيفة فهي أقرب إلى استعداد وترتيب، وإن كانت قديمة فهي أقرب إلى أمور سابقة لم تُرتب. وإن كان الرائي يختار بينها سريرًا فقد تُقرأ الصورة على كثرة الخيارات أمامه، وإن كان يتجول بينها فهي أقرب إلى تأمل. وكلها رموز تُؤخذ بقدرها.
وقد تدل الصورة في بعض القراءات على أن الرائي يشعر بأن مساحات الراحة كثيرة لكنه لا يجد أيها يناسبه. وقد تدل على رغبته في أن يشارك الآخرين راحة مكان واسع. وقد لا تدل على شيء سوى أن الذهن يكثّر الصور كما يفعل في سائر الأحلام. ومن أخذ منها معنى التنظيم فقد أحسن، ومن لم يجد فيها ما يلامس حاله فلا بأس في تركها. وكل ذلك من التأمل الرمزي الذي لا يلزم أحدًا.
ومن الجهة النفسية، قد تظهر هذه الرؤيا حين يشغل الإنسان أمور كثيرة تتطلب ترتيبًا، أو حين يكون قد زار مكانًا واسعًا أو شاهد مشهدًا فيه أسرّة كثيرة. ويمكن لصاحبها أن يكتب ما يشغله ويرتبه بحسب الأولوية، وأن يختار لنفسه مكانًا هادئًا للراحة. وليس الحلم نصيحة طبية ولا نفسية، ومن عانى أرقًا مستمرًا أو قلقًا طويلًا فالأولى أن يراجع طبيبًا مختصًّا. فللراحة أسباب واقعية يُعنى بها قبل أي تفسير.
ويحسن أن يتذكر الرائي ما سبق نومه، فقد يكون التعب أو مشهد ما أو كثرة الأمور قد تركت أثرها في صورة الحلم. ويحسن كذلك أن يوازن في حياته بين الجد والراحة، فيعطي نفسه حقها من الهدوء. ولا حاجة إلى إطالة التفكير في الصورة بعد الاستيقاظ، فكثير من الأحلام تزول معانيها بمرور الوقت. وفي ذلك راحة للقلب. ومن أخذ منها ما ينفعه ثم مضى فقد أصاب.
وختامًا فما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يُتخذ قاطعًا في أمر. والأولى بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعو لنفسه ولأهله بالطمأنينة والتوفيق وحسن الحال. ومن رأى ما أقلقه فلا يشغل به قلبه، وليتوجه إلى الله بالدعاء. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرؤيا تبقى صورة رمزية تُتأمل ولا يُجزم بها.
