قد يرى الإنسان في منامه سريرًا موضوعًا قرب نافذة، يدخل منها الضوء أو الهواء أو يُرى من خلالها منظر في الخارج، فيتساءل عن دلالة هذا الوضع. وهذه من الصور القريبة من الواقع، فكثير من الناس يضعون أسرّتهم قرب النوافذ طلبًا للهواء والضوء. والرؤيا رمزية في أصلها، ولا تُعد خبرًا مؤكدًا عن أمر قادم، ولا يصح أن يُبنى عليها خوف أو قرار. وما يلي قراءة تأملية تحتمل الصواب والخطأ وتختلف باختلاف حال الرائي.
السرير رمز للراحة والأمان والخصوصية والاستقرار، والنافذة رمز للانفتاح على العالم الخارجي ولدخول الضوء والهواء ولرؤية ما وراء الجدران. فاجتماعهما قد يدل على رغبة في راحة لا تنفصل عن الحياة الخارجية، أو على حاجة إلى أفق أرحب ونظرة أوسع. وقد يدل أيضًا على تأمل هادئ في الأمور وتفكر فيما يحيط بالرائي من أحوال. وقد يشير إلى شعور بقدر من الانكشاف إن كانت النافذة مفتوحة على الشارع دون ستار. فالمعنى يتحدد بشعور الرائي أثناء الحلم.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله المعبرون أن النافذة في المنام قد تُحمل على منفذ للأمر ومطلع على الأحوال، وأن حالها من سعة وضيق ونور تدل على ما يقابل ذلك في أمر صاحبها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأبواب والنوافذ تُنظر بحسب ما يدخل منها وما يخرج، وبحسب ما يُرى عبرها. وهذه الأقوال متفاوتة العبارة بين كتاب وآخر، وفيها اختلاف في الدقائق. فيُستأنس بها دون جزم، ويقدَّم عليها ما يعرفه الرائي عن حاله.
للسياق أثر كبير، فإن كان الضوء ناعمًا والهواء لطيفًا والمنظر جميلًا فالأقرب أن الحلم يعبر عن انشراح وراحة وتطلع إلى أمور جديدة. وإن كانت النافذة مغلقة أو مظلمة فقد يشير إلى إحساس بانغلاق أو حاجة إلى تجديد الهواء في الحياة. وإن كانت الريح شديدة أو الستار يتحرك بعنف فقد يوحي بتوتر وعدم استقرار. وإن كان المنظر الخارجي مألوفًا فالأمر قريب من الواقع اليومي.
للطالب قد يدل الحلم على تطلعه إلى مستقبله وحاجته إلى أن يفتح لنفسه نافذة من الراحة وسط الجهد الدراسي. وللعامل قد يعبّر عن رغبته في تغيير الأجواء وإطلالة جديدة على عمله وحياته. وللمرأة المنشغلة بشؤون بيتها قد يعكس شوقها إلى أوقات هدوء تتأمل فيها وتستريح قليلًا. وللشاب قد يشير إلى حماسه للمستقبل ورغبته في الانفتاح على فرص جديدة، دون جزم بأي منها.
ومن التفاصيل التي يُنظر إليها نوع المنظر خارج النافذة، فالمنظر الأخضر أو السماء الصافية توحي بالسكينة، والمنظر المزدحم قد يوحي بانشغال. وكذلك يُنظر إلى وقت اليوم، فضوء الصباح يوحي ببداية وأمل، وضوء الغروب يوحي بتأمل وختام يوم. ولون الستائر وكثافتها قد يشيران إلى مدى ما يرغب الرائي فيه من خصوصية. ووجود زجاج مكسور أو صرير قد يوحي بإزعاج صغير يحتاج إلى إصلاح في الواقع. وكل ذلك احتمال يُقدَّر بحسب شعور الرائي.
وقد يكون الحلم قريبًا من الواقع، كأن يكون الرائي قد رتب غرفته أو فكر في تغيير موضع سريره، أو كان في أيام يشتاق فيها إلى الهواء الطلق والنور. فالعقل يعيد تشكيل ما يشغله من أمور يومية في صور الأحلام. ولذلك لا حاجة إلى تحميل الصورة أكثر مما تحتمل، فقد تكون مجرد رغبة في غرفة أنور وأهدأ. ويبقى المعتمد هو الشعور الذي بقي في النفس بعد الاستيقاظ.
من الناحية العملية والنفسية فإن تعرض الإنسان لضوء النهار الطبيعي صباحًا يساعد على انتظام ساعته الحيوية ويحسن نومه ليلًا. ويحسن أن تكون الستائر في غرفة النوم مناسبة تحجب الضوء الزائد والضوضاء عند النوم، وتُفتح في النهار لإدخال الهواء. كما يفيد ألا يكون السرير في مجرى هواء بارد مباشر يزعج الجسد. وهذه اقتراحات عامة للعناية بالراحة وليست علاجًا.
والحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن كان الرائي يعاني أرقًا متكررًا أو إرهاقًا مستمرًا أو ضيقًا في التنفس عند النوم فعليه أن يراجع طبيبًا أو مختصًا. ولا ينبغي أن يجعل من الرؤيا سببًا للقلق أو التشاؤم، فالسرير قرب النافذة لا يدل على أمر محدد سيقع. ومن الحسن أن يتأمل الإنسان أحواله بهدوء ويمنح نفسه فرصة للراحة. فالطمأنينة تُبنى بالتدريج.
وفي الختام فإن ما ذُكر من معانٍ إنما هو اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار مصيري. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بالأسباب ويحسن الظن بربه. ويحسن بالرائي أن يدعو بالخير وانشراح الصدر وراحة البال. والله أعلم.
