الرؤى رموز وإشارات لا تُؤخذ على ظاهرها الحرفي، وتفسيرها اجتهاد في فهم ما تحمله من معانٍ. وحين يرى المسافر حبيبًا في منامه وهو بعيد عن بلده وأهله، فقد يتحرك في قلبه شوق كبير وتساؤلات كثيرة. والأقرب أن يكون الحلم صدى لما يشعر به من اشتياق وحاجة إلى الأنس في غربته. فالمنام كثيرًا ما يستعيد وجوه من يحب الإنسان ويقرّبهم إلى النفس حين تبعد المسافات. ولذلك فالأولى أن يُقرأ الحلم بهدوء ودون تهويل.
الحبيب رمز للألفة والتعلق والشوق والأمل، وللعلاقات العاطفية المتزنة التي يحيطها الاحترام. وفي منام المسافر قد يدل على حاجته إلى الإحساس بالقرب والأمان رغم بعد الطريق. وقد يكون الحبيب صورة للبيت والوطن وما يرتبط بهما من دفء ومألوف. وربما عبّر الحلم عن أمل في عودة قريبة أو في لقاء طيب مع من يحب. وهذه كلها احتمالات لا يُقطع بواحد منها.
نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية الأحباب على حال حسنة تدل على الخير وصلاح الأحوال، وأن ظهور من يحبه الإنسان يعبّر عما يختلج في قلبه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن هذه الرؤى ترتبط بالأمنيات وما يعلق بالنفس من شوق. وقد اختلف المفسرون في تفاصيلها، ومنهم من ربط المعنى بحال الرائي وسفره. كما أن رمز الحبيب بصيغته المتداولة أقل تناولًا في الكتب القديمة. فيحسن الاستئناس بالأقوال دون اعتبارها قواعد ملزمة.
للسياق أثر كبير في المعنى، ومنه مكان المشهد وهيئة الحبيب وحال المسافر أثناء الحلم. فإذا جرى اللقاء في مكان مألوف مضيء فقد يميل إلى الاطمئنان وطيب الذكرى، وإذا جرى في طريق طويل أو محطة مزدحمة فقد يعكس تعب الرحلة. وتختلف القراءة بين مسافر لعمل ومسافر لدراسة ومسافر لزيارة قصيرة. كما أن اختلاف المواعيد والنوم في أماكن جديدة قد يجعل الأحلام أكثر حضورًا. فالمعنى يتبع الظرف.
وللمسافر خصوصية في التأويل، إذ يعيش بين أمرين: تطلع إلى ما أمامه وشوق إلى ما تركه خلفه. فيأتي الحبيب في المنام رمزًا لهذا الشد بين الوجهتين. وقد يعبّر الحلم عن حاجته إلى رسالة أو اتصال أو كلمة طيبة تخفف عنه. وليس من الضروري أن يشير إلى شخص بذاته، فقد يمثل معنى القرب بوجه عام. ولا يصح أن يُجعل الحلم علامة على نجاح السفر أو تعثره.
وإذا رأى المسافر الحبيب مبتسمًا أو ينتظره، فقد يُفهم ذلك على أنه ارتياح وأمل في لقاء قريب أو في أيام أهدأ. وإذا رآه حزينًا أو مبتعدًا، فقد يعكس خوفًا من فتور العلاقات بسبب بعد المسافة. وقد تظهر الرؤيا في الليالي الأولى من السفر حين يشتد الشعور بالغربة. وهي في الغالب صدى للحنين لا خبر عن أمر واقع. وتبقى هذه قراءات احتمالية.
من التفاصيل التي تستحق التأمل مكان اللقاء وهل هو بيت أو طريق أو سوق، ونبرة الكلام، وهل انتهى المشهد بوداع أم بلقاء. فاللقاء في البيت قد يرتبط بالحنين إلى المألوف، والطريق قد يرتبط بالانتقال والتغير. ومن المهم ما شعر به المسافر عند الاستيقاظ، فالدفء يرجح المعاني الهادئة والثقل يدعو إلى مزيد من التروي. ويفيد أن يكتب ما بقي في ذاكرته ثم يراجعه لاحقًا. وبذلك يميز بين العابر والمتكرر.
ومما يحسن ذكره أن الغربة تضخم المشاعر، فيبدو الحلم أثقل مما هو عليه. ولذلك ينبغي ألا يحمّل المسافر نفسه فوق طاقتها بتفسير كل صورة. ويكفي أن يرى في الرؤيا تذكيرًا بأن في حياته من يحبه ويشتاق إليه كما يشتاق هو. وكلما حافظ على التواصل الهادئ مع أهله، خف أثر الحنين الحاد. وهذه اعتبارات عامة تبقى في دائرة الاجتهاد.
من الناحية العملية والنفسية، ينفع المسافر أن يتواصل مع أهله وأحبته بانتظام وبهدوء، وأن ينظم نومه وطعامه ويبني روتينًا بسيطًا في مكانه الجديد. والحوار الصريح مع صديق قريب أو زميل موثوق يخفف الوحشة. ويلزم التروي قبل أي قرار عاطفي أو مصيري في فترة الغربة، وعدم بناء خطوة على حلم. وطلب مشورة أهل الخبرة يعطي صورة أوضح. وهذا الكلام ليس نصيحة عاطفية أو نفسية متخصصة.
وجملة القول أن رؤية الحبيب للمسافر رمز يحتمل معاني الشوق والأنس والأمل بالعودة، دون جزم بما سيكون. وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُعتمد عليه في قرار ولا توقع. ويحسن بالرائي أن يدعو ربه بالتوفيق وحسن العودة ويحسن الظن به. والغيب لا يعلمه إلا الله، فليأخذ من الرؤيا ما يطمئنه وليمضِ في طريقه بثقة.
