الرؤى رموز وإشارات تحتاج إلى قراءة هادئة، وليست وقائع حرفية ولا أخبارًا مؤكدة عن الغد. وحين يرى الإنسان في منامه حنينًا إلى حبيبه، فقد يستيقظ وفي قلبه دفء ممزوج بشيء من الأسى. والأقرب أن يكون الحلم صدى لذكريات عزيزة ومشاعر لم تهدأ تمامًا، تظهر في المنام بصورة ألين وأوضح. فالنفس تستعيد في الأحلام ما تعلق بها من وجوه وأيام. ولذلك فالأولى أن يُقرأ الحلم برفق ودون تهويل.
الحنين من أرق المعاني في عالم الرموز، وهو يرتبط بالألفة والتعلق والشوق والأمل. ويدل الحبيب على العلاقات العاطفية المتزنة التي يحيطها الاحترام وما تتركه من أثر طيب. وقد يعكس حلم الحنين رغبة في استعادة شعور بالأمان والدفء كان حاضرًا في زمن مضى. وربما كان تعبيرًا عن اشتياق إلى مرحلة من العمر أكثر منه اشتياقًا إلى شخص بذاته. وكل ذلك احتمالات لا يُقطع بواحد منها.
نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية الأحباب في حال حسنة تدل على الخير وصلاح الأحوال، وأن حنين الإنسان لمن يحب يعبّر عما في قلبه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن هذه الرؤى ترتبط بالأمنيات والذكريات التي تعلق بالنفس. واختلف المفسرون في تفاصيلها، ومنهم من ربط المعنى بحال الرائي وظروفه. كما أن رمز الحنين في صورته المعاصرة أقل تناولًا في الكتب القديمة. فيحسن الأخذ بالأقوال بحذر وعلى سبيل الاستئناس.
للسياق أثر كبير في المعنى، ومنه مكان المشهد وهيئة الحبيب وما شعر به الرائي أثناء الحلم وبعده. فإذا جرى المشهد في مكان مألوف مضيء، كبيت قديم أو شارع اعتاد عليه، فقد يميل المعنى إلى الذكرى الطيبة والأنس. وإذا جرى في مكان غامض أو مظلم فقد يعكس حيرة أو قلقًا من الحاضر. وتختلف القراءة بين من يمر بفترة هدوء ومن يمر بضغوط تجعله يهرب إلى الماضي. فالحلم يتلون بحال صاحبه.
ومن الجوانب التي تستحق التأمل أن الحنين ليس دائمًا رغبة في العودة، فقد يكون وسيلة تلجأ إليها النفس لتشعر بالراحة حين تثقل عليها الأيام. وقد يكشف الحلم عن قيمة ما عاشه الرائي من أيام طيبة وما تركته من أثر جميل. وهذا لا يعني بالضرورة أن عليه السعي خلف شخص أو استعادة ما انقضى. بل قد يكون دعوة إلى الامتنان لما كان وإلى البناء على ما هو آتٍ. ولا يصح بناء موقف من أحد على صورة منامية.
وإذا رأى الشخص أن حنينه ينتهي بلقاء دافئ وابتسامة، فقد يُفهم ذلك على أنه ارتياح داخلي وتصالح مع الذكرى. وإذا انتهى الحلم ببعد أو وداع، فقد يعكس بقاء بعض الألم أو شعورًا بأن الصفحة لم تُطوَ بعد. وقد يتكرر هذا الحلم في المواسم والأعياد وفي الأيام التي تحرك الذاكرة. وهو في كثير من الأحيان صدى للذاكرة لا إخبار عن أمر قادم. وتبقى هذه كلها احتمالات تفسيرية.
من التفاصيل الدقيقة نبرة الكلام ولباس الحبيب والمكان، وهل كان المشهد قديمًا أم جديدًا، وهل انتهى بسكينة أم بحسرة. ومنها الإحساس الذي بقي عند الاستيقاظ، فالدفء يرجح المعاني المطمئنة والثقل يدعو إلى مزيد من التروي. وقد تتكرر الصورة لأنها ترتبط بذكرى لم تأخذ حقها من الاهتمام. ويفيد أن يكتب الرائي ما استحضره الحلم من ذكريات في دفتر ثم يتأمله بعد أيام. فالكتابة تخفف كثيرًا مما في الصدر.
ومما يحسن ذكره أن الحنين شعور إنساني طبيعي، لكنه إذا اشتد واستمر وأثر في النوم والعمل والعلاقات الحالية، فهو مما يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل الموثوقين. وليس في طلب العون ما يعيب، فهو من حسن العناية بالنفس. وكلما وجد القلب مجالًا صحيًا للتعبير من كتابة أو مشاركة أو انشغال بما ينفع، خف الأثر. وهذه اعتبارات تقريبية تبقى في دائرة الاجتهاد.
من الناحية العملية والنفسية، ينفع الرائي أن يحافظ على نومه وطعامه ونشاطه وأن يحيط نفسه بصحبة طيبة تشغله بما ينفع. والحوار الصريح الهادئ مع قريب أو صديق موثوق يفرّغ ما في الصدر ويمنح منظورًا أوسع. ويلزم التروي قبل أي قرار عاطفي، وعدم جعل الحلم سببًا لقطع علاقة أو لبدء أخرى، والاستعانة بمشورة أهل الخبرة. وهذا الكلام ليس نصيحة عاطفية أو نفسية متخصصة.
وجملة القول أن حلم الحنين إلى الحبيب رمز يحتمل معاني الذكرى والشوق والحاجة إلى الدفء، ولا يُقطع فيه بشيء. وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليه قرار ولا توقع. ويحسن بالرائي أن يدعو ربه بالخير وسكينة القلب وأن يحسن الظن به. والغيب لا يعلمه إلا الله، فليأخذ من الرؤيا ما يطمئنه وليمضِ في يومه بهدوء.
