الرؤيا مجال للرموز والمشاعر الكامنة، ولا يصح أن تُقرأ كأنها وقائع. حين يرى الإنسان حبيبه يعود بعد غياب طويل، قد يستيقظ وفي قلبه مزيج من الفرح والحنين والتساؤل. والأقرب أن المشهد يعبر عن أمل في عودة معنى جميل افتقده الرائي، لا بالضرورة عودة الشخص نفسه. وهذا التفسير احتمالات للتأمل ولا يُعد بشارة بعودة. ومن تعامل معه بهدوء حفظ قلبه من التعلق بالتوقعات.
الحبيب رمز للمودة والتعلق والشوق والأمل، وللعلاقات العاطفية المتزنة. والعودة بعد الغياب في الرموز تدل على استعادة شيء فُقد، سواء أكان أنسًا أو أملًا أو شعورًا بالأمان. فإذا عاد الحبيب في المنام فقد يكون ذلك تعبيرًا عن حنين الرائي إلى مرحلة أو إحساس، وعن حاجته إلى جبر ما انكسر في داخله. وقد تعكس الرؤيا طموحه إلى أن تعود الأمور إلى صفائها. وهي أقرب إلى لغة المشاعر منها إلى لغة الأحداث.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما تناقله المفسرون أن عودة الغائب في الرؤيا قد تدل على خبر أو انفراج أو استعادة حال، وأن ذلك يتبع هيئة العائد وحال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رجوع الغائب يُفسَّر بحسب مدة غيابه وسبب سفره والحال التي رجع عليها. وتختلف الآراء في ذلك، والصورة العاطفية بهذا التحديد أقل تناولًا في الكتب القديمة. فتبقى القراءة فيها اجتهادية تحتاج إلى حذر وتواضع، ولا تصلح أن تكون أساسًا لتوقع.
يتغير المعنى بتغير هيئة العودة، فالعودة المبتهجة تختلف عن العودة المتعبة الصامتة. وينبغي النظر في شعور الرائي عند رؤيته، هل فرح أم ارتبك أم غلب عليه العتاب. وكذلك مدة الغياب في المنام ومكان اللقاء وأشخاص المشهد. ويفيد تذكر ما كان يشغل الرائي من حنين أو ذكريات في الأيام السابقة. فكثيرًا ما تأتي هذه الرؤيا في أوقات الاشتياق أو بعد رؤية صورة أو مكان يذكّر بالغائب.
للعزباء قد تدل عودة الحبيب على حنين إلى مرحلة أو علاقة سابقة وعلى رغبة في الاطمئنان. وقد تكون صدى لأمل يراودها أو لخوف من الوحدة. وليس في الرؤيا ما يصح أن يُفهم على أنه عودة قريبة أو قرار. والأولى أن تتعامل مع المشاعر بوعي وهدوء، وأن تنظر إلى ما تحتاجه الآن حقًا. وأن تستشير أهل الخبرة في كل خطوة عاطفية.
وللمتزوجة قد تدل العودة على شوق إلى استعادة دفء بيتها بعد فتور أو انشغال، أو على ذكرى قديمة تطفو في الخاطر. وقد تعكس رغبتها في أن يعود الاهتمام والحوار كما كانا. وليس في ذلك ما يدعو إلى القلق أو الانشغال بغير علاقتها القائمة. ويحسن أن تعمل على إحياء الود بتفاصيل صغيرة صادقة. والرؤيا حينئذ دعوة إلى الصفاء.
وللرجل قد تدل عودة الحبيب على حنين إلى أيام مضت أو أمل في استعادة شعور بالسكينة. وقد تكشف عن اشتياق مكتوم لم يجد طريقه للتعبير. وللمتزوج قد تكون تذكيرًا بإحياء ما فتر من الألفة في بيته. وللرجل العائد من غربة أو انشغال طويل قد تكون العودة رمزًا لعودته هو إلى أهله. وكل ذلك احتمالات لا غير.
من التفاصيل المهمة سبب الغياب في المنام ونهايته، فالغياب لسفر أو انشغال يختلف عن الغياب لخصام. وإن عاد الحبيب حاملًا شيئًا أو مبتسمًا فالمعنى أقرب إلى الانفراج. وإن عاد متغير الملامح فقد يدل على أن الرائي يدرك مرور الزمن. وللمكان الذي عاد إليه، كالبيت أو الطريق أو المحطة، دلالة على جانب الحياة المقصود. وشعور الرائي بعد الاستيقاظ أصدق قرينة، ويحسن تدوين التفاصيل.
من الجهة النفسية، تدعو هذه الرؤيا إلى مراجعة ما يفتقده الرائي فعلًا من أمان أو اهتمام أو معنى. والحوار الصريح الهادئ مع من يهمه الأمر، متى كان مناسبًا، أنفع من الاكتفاء بالانتظار. والتروي قبل أي قرار عاطفي ضروري، فلا يصح أن يُبنى شيء على منام ولا على أمل متعجل. واستشارة عاقل من الأهل أو الأصدقاء تعطي الموازنة. والعناية بالنفس من نوم وغذاء وراحة ومشاغل نافعة تخفف أثر الحنين. وهذه الرؤيا ليست نصيحة عاطفية أو نفسية متخصصة، وإذا طال الحنين أو اشتد الألم فالكلام مع مختص أو أحد الأهل مفيد.
وهذا اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يُعد خبرًا بعودة ولا بغيابها. وحسن الظن بالله يطمئن القلب، والدعاء بأن يجبر الله الخواطر ويكتب الخير عادة طيبة. وليكن الرائي مطمئنًا إلى أن الله يعلم ما يصلح لعباده. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
