رؤية الإنسان نفسه يلوّن صفحات كتاب في منامه صورة فيها شيء من الخيال والبهجة، وتدعو إلى التأمل في علاقته بما يتعلمه ويقرؤه. والرؤيا في أصلها رمزية، تتشكل من أفكار الرائي وانشغالاته ومشاعره أكثر مما تتشكل من حقائق مؤكدة. فليست كل ألوان المنام رسائل، وقد تكون مجرد انعكاس لذكرى قديمة أو لمشهد رآه الرائي مؤخرًا. ولذلك يحسن أن تُقرأ هذه الرؤيا باعتبارها احتمالات تأويل لا نتائج قاطعة. وفيما يلي عرض هادئ لما قيل في هذا الباب مع بيان حدود الظن فيه.
الكتاب رمز واسع الدلالة، يعبّر في الغالب عن العلم والمعرفة والتعلم، وعن الذاكرة والتجارب المتراكمة. وقد يرمز إلى مراحل الحياة، فكل صفحة فصل من فصولها، وكل فصل له لونه وطابعه. وقد يشير كذلك إلى الأفكار التي يحملها الإنسان والقصص التي يرويها لنفسه عن ماضيه ومستقبله. ولا يصح الجزم بدلالة واحدة، فالرمز يتبدل بتبدل صاحبه وظروفه. ولذلك تُعد هذه المعاني مدخلًا عامًا للفهم لا أكثر.
أما التلوين فهو فعل يضيف الحياة إلى الشكل الجامد، ويحول الصفحة الباهتة إلى مشهد نابض. ولذلك قد يُفهم تلوين صفحات الكتاب على أنه رغبة في إضفاء الحيوية والخيال على المعرفة أو على فترة من الحياة تبدو رتيبة. وقد يدل على ميل الرائي إلى التعلم بالمتعة، أو إلى استحضار جانبه الإبداعي الذي أُهمل زمنًا. وقد يشير أيضًا إلى حنين إلى أيام الطفولة والدراسة الأولى حين كان التعلم لعبًا. ويبقى ذلك كله احتمالًا يُقاس على حال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الكتب أن الكتاب قد يدل على علم أو خبر أو أمر يُسجل، ولم يتفق الناقلون على تفاصيل دقيقة لكل حالة. وفي باب الألوان نُقل عن بعض المعبرين أن الألوان الزاهية تميل إلى البشرى والسرور، وأن القاتمة تميل إلى الهم والانشغال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الزينة والتحسين قد تدلان على تجميل أمر أو إظهاره في أحسن صورة. ويختلف المعبرون في مدى انطباق ذلك على تلوين الكتب خاصة، فلا نص جامع في المسألة. ولذلك ينبغي قبول هذه الأقوال بحذر وبوصفها اجتهادات.
يتأثر المعنى بسياق الرؤيا تأثرًا كبيرًا. فإذا كان التلوين متقنًا داخل الحدود والمشهد مبهجًا، فقد يوحي ذلك بانسجام في التفكير وسعادة في التعلم. وإذا خرجت الألوان عن الخطوط واختلطت، فقد يعكس ذلك انشغالًا بأفكار متداخلة أو رغبة في التحرر من الصرامة. وإذا كان الرائي يلوّن على عجل أو بضيق، فقد يدل على ضغط في العمل أو الدراسة. وكذلك يعين شعور الرائي عند الاستيقاظ على ترجيح المعنى الأقرب.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فالطالب قد تكون الرؤيا عنده صدى لانشغاله بالواجبات والرسوم والمذكرات، وقد تدل على رغبته في تبسيط المادة وتلوينها بما يسهل حفظها. والمعلم أو المربي قد تعبّر الرؤيا عنده عن اهتمامه بجعل الدرس أكثر جاذبية لتلاميذه. وربة البيت قد ترتبط الرؤيا عندها بذكريات اللعب مع الأبناء أو بحاجتها إلى وقت هادئ للترفيه عن نفسها. وكبير السن قد يرتبط ذلك عنده بحنين إلى الطفولة أو بوقت فراغ يريد أن يملأه بما يسعده. ويظل تأويل الرائي لحاله أقرب من تأويل غيره.
وللتفاصيل أثرها في الفهم. فنوع الألوان، أهي زاهية أم باهتة أم متدرجة، قد يوحي بحال المزاج وسعة الخيال. وأداة التلوين، أهي أقلام شمعية أم ألوان مائية أم أقلام خشبية، قد تشير إلى مدى الرفق أو الجرأة في التعبير. ونوع الصفحة، أهي رسوم للأطفال أم خرائط أم نص مكتوب، يضيف دلالة أخرى، فتلوين النص قد يدل على إبراز ما يهم الرائي منه. وإن كانت الصفحة تعود لكتاب يملكه الرائي فالمعنى أقرب إلى شأنه الخاص، وإن كانت لغيره فقد تتصل بعلاقته بذلك الغير.
ومن الزاوية النفسية، قد تعكس هذه الرؤيا حاجة إلى الترويح عن النفس وإدخال شيء من الإبداع على حياة يغلب عليها الجد. وقد تكون تذكيرًا لطيفًا بأن التعلم لا يلزم أن يكون جافًا، وأن للألوان والرسوم أثرًا في تثبيت المعلومة. ومن شاء الاستفادة فله أن يجرب تلخيص ما يقرأ بخرائط ذهنية ملونة أو بإشارات بسيطة بالأقلام. غير أن الحلم ليس نصيحة طبية أو تعليمية متخصصة، ولا يغني عن رأي أهل الاختصاص. وهو في أحسن أحواله مناسبة للتأمل في طريقة التعلم وفي مصادر الراحة.
وخلاصة القول أن تلوين صفحات الكتاب في المنام قد يرمز إلى رغبة في بث الحياة والخيال في المعرفة وفي أيام الرائي. وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يُبنى عليه قرار حاسم. والأولى أن يدعو الرائي ربه بالخير وأن يحسن الظن بالله، وأن يواصل تعلمه وعمله بنفس مطمئنة. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الرؤيا إلا صورة قد تحمل معنى وقد لا تحمل. فليأخذ الرائي منها ما يفيده في تنشيط خياله، وليترك ما سوى ذلك.
