رؤية الإنسان صديقه يقدم له كتابًا في المنام صورة ودية تحمل معاني الألفة وتبادل الأفكار، وتدعو إلى التأمل في العلاقة التي تجمع بينهما. والرؤيا رمزية في أصلها، وتتأثر بما يشغل الرائي من علاقات وذكريات وما مر به في يقظته. فقد يكون المشهد أثرًا من لقاء قريب مع صديق، أو من حوار دار حول كتاب أو فكرة. ولذلك ينبغي أن تُفهم هذه الرؤيا على أنها احتمالات للتأويل، لا إخبارًا مؤكدًا بشيء. وما يلي عرض هادئ لما قيل فيها مع الإقرار بحدود الاجتهاد.
الكتاب في عرف المعبرين رمز للعلم والمعرفة والتعلم، وللذاكرة وما يختزنه الإنسان من تجارب. وقد يشير إلى مراحل الحياة، فلكل مرحلة رفاق يشاركون في بنائها. وقد يدل على الأفكار والاهتمامات التي يتبادلها الناس فيما بينهم. غير أن هذه المعاني العامة تحتاج إلى النظر في موضوع الكتاب وحال الرائي. فالمعنى يتغير بتغير الأحوال، ولا يصح الاكتفاء بدلالة واحدة.
أما تلقي الكتاب من الصديق فهو يجمع بين رمز العلم ورمز الصحبة والمودة، لأن الهدية بين الأصدقاء علامة اهتمام ومشاركة. ولذلك قد يُفهم المشهد على أنه تعبير عن تقدير متبادل ورغبة في تبادل المعارف والاهتمامات. وقد يدل على وجود من يشاركه في هواية أو دراسة أو تفكير. وقد يشير كذلك إلى حاجة الرائي إلى صديق يصغي ويعين في مرحلة معينة. ويبقى ترجيح أحد هذه المعاني متوقفًا على طبيعة العلاقة بينهما.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الكتب أن الكتاب قد يدل على علم أو خبر أو أمر مكتوب يُرجع إليه، ولم يتفق الناقلون على تفاصيل كل صورة. وذكر بعض المعبرين أن الهدايا في المنام قد ترتبط بالمودة وتأليف القلوب بين الناس. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الصحبة والرفقة قد تدل على معاونة في أمر أو مشاركة في عمل. وتتفاوت الآراء في ذلك، فلا يوجد نص قاطع في هذه الصورة بعينها. ولذلك ينبغي قبول هذه الأقوال بحذر وبوصفها اجتهادات.
يؤثر سياق الرؤيا في المعنى تأثيرًا كبيرًا. فإذا كان الصديق يقدم الكتاب بابتسامة ومرح، فقد يوحي ذلك بدفء العلاقة وسهولة التواصل. وإذا كان الجو متوترًا أو في الكتاب ما يثير الضيق، فقد يعكس ذلك سوء فهم قديمًا أو شعورًا بالمنافسة. وإذا كان الرائي يتردد في قبول الكتاب، فقد يدل على قلق من التزام أو من تغيير في العلاقة. ويعين شعور الرائي عند الاستيقاظ على معرفة جهة الميل بين الألفة والتحفظ.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فالشاب أو الشابة قد تكون الرؤيا عنده انعكاسًا لعلاقات الزمالة وما فيها من تبادل للآراء، وقد لا تحتاج إلى تأويل أبعد. والموظف قد ترتبط الرؤيا عنده بزميل عمل يتعاون معه أو يحتاج إلى مشاركته. ومن ابتعد عنه أصدقاؤه بسبب السفر أو الانشغال قد تعبّر الرؤيا عنده عن شوق إلى التواصل. وكبير السن قد يرتبط ذلك عنده بذكريات رفاق قدامى وأيام الصبا. ويظل فهم الرائي لحاله أدق من القوالب الجاهزة.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها في الفهم. فموضوع الكتاب، أهو يتصل بهواية مشتركة أم بمادة دراسية أم بموضوع جديد، قد يشير إلى الجانب الذي يجمع بين الصديقين. وعبارة الإهداء المكتوبة على الصفحة الأولى قد توحي برغبة في التقارب أو الدعم. وإن كان الكتاب مستعارًا ويُطلب إرجاعه فقد يدل على علاقة قائمة على التبادل، وإن كان هدية خالصة فقد يدل على صفاء المودة. وإن لم يتضح وجه الصديق فقد يكون الرمز معبّرًا عن حاجة عامة إلى الرفقة أكثر من تعبيره عن شخص معين.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد تعكس هذه الرؤيا حاجة إلى تجديد الصلة بالأصدقاء أو إلى تقدير من يقفون بجانب الرائي. وقد تكون تذكيرًا لطيفًا بقيمة تبادل القراءة والأفكار مع الآخرين. ومن شاء الاستفادة فله أن يتصل بصديق قديم أو يقترح عليه قراءة كتاب مشترك. غير أن الحلم ليس نصيحة نفسية أو اجتماعية متخصصة، ولا يغني عن رأي أهل الاختصاص. وإنما هو مناسبة للتأمل في قيمة الصحبة الطيبة.
وخلاصة القول أن الكتاب من الصديق في المنام قد يرمز إلى الود وتبادل الأفكار والدعم المتبادل، وإلى حاجة الإنسان إلى من يشاركه طريقه. وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار مصيري. والأولى أن يدعو الرائي ربه بالخير وأن يحسن الظن بالله، وأن يحفظ لأصحابه مودتهم بالكلمة الطيبة. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الرؤيا إلا صورة قد تحمل معنى وقد لا تحمل. فليطمئن الرائي، وليأخذ منها ما يقوّي صلته بمن يحب.
