الحلم بإعارة كتاب لشخص ما من الرؤى التي تعبّر عن العطاء المؤقت والثقة المتبادلة، فصاحب الكتاب يسلّمه لغيره وهو يأمل أن يعود إليه. والرؤيا في أصلها رمزية وليست حرفية، فلا يلزم أن يعير الرائي كتابًا حقيقيًا ولا أن يحدث له أمر بعينه. وقد يكون الحلم صدى لعلاقة قريبة أو لرغبة في مساعدة أحدهم بما يملك من معرفة. ولذلك يحسن أن يُنظر إليه بهدوء، وأن يُعد قراءة محتملة لا حقيقة ثابتة.
الكتاب في الرموز يدل على العلم والمعرفة والتعلم، ويعبّر عن الذاكرة والتجارب والحكايات التي يحملها المرء. وهو كذلك صورة للاطلاع والتأمل ولمراحل الحياة وفصولها المتتابعة. أما الإعارة فمعناها أن يمنح الإنسان غيره منفعة شيء يملكه مدة معينة. فاجتماع الكتاب والإعارة قد يدل على كرم في مشاركة العلم، أو على علاقة يثق فيها الرائي بغيره، أو على استعداد لتقديم عون مؤقت. وهذه المعاني عامة ومرنة، ولا يصح الجزم بها ولا تهويلها.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما تناقلته كتب التعبير أن ما يُعطى للغير على سبيل الإعارة يدل على معروف يُقدَّم، وأن العبرة بحال المستعير وبما يُعار. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الكتب ترتبط بالعلم والأخبار، فإعارتها قد تُفهم على أنها بذل فائدة لمن يحتاجها. غير أن الآراء تختلف في التفاصيل، وإعارة الكتب خصوصًا من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، ولذلك يبقى التفسير المعروض هنا قياسًا واجتهادًا أكثر منه نصًا صريحًا.
للسياق أثر في فهم الحلم. فإذا أعار الرائي الكتاب لصديق مقرّب برضا وطمأنينة، فقد يعبّر ذلك عن علاقة قوية وثقة متبادلة. وإذا ظهر القلق من عدم عودة الكتاب، فقد يدل على خوف من التفريط في شيء عزيز أو من استغلال طيبته. أما إذا أعاده المستعير في موعده، فقد يوحي ذلك بالاطمئنان إلى حفظ الحقوق بين الناس. وإذا كان المستعير غريبًا، فقد يرتبط الحلم بانفتاح الرائي على علاقات جديدة وبحذره منها في آن واحد.
إذا رأت العزباء أنها تعير كتابًا، فقد يرتبط ذلك بميلها إلى مشاركة اهتماماتها وبحثها عن صحبة تشاركها الذوق، وقد يعبّر عن رغبتها في بناء علاقات قائمة على الاحترام والتقدير. أما المتزوجة فقد يشير الحلم عندها إلى كرمها في بيتها وأسرتها، أو إلى استعدادها لتقديم عون لقريبة أو جارة. وقد يكون أيضًا انعكاسًا لحرصها على ترتيب ممتلكاتها وحفظ ما تحبه. وكل ذلك احتمال لا يقين.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد يتصل الحلم عنده بعلاقة عمل أو صداقة، فيعير غيره شيئًا من خبرته أو وقته. وللطالب قد يكون الحلم صورة من حياته الدراسية حين يعير زميله مذكرة أو مرجعًا يحتاجه قبل الامتحان. وللمعلم قد يرمز الحلم إلى ما يبذله لتلاميذه من مادة وجهد. ولا يُبنى على ذلك وعد بجزاء أو منفعة مضمونة، فالعلاقات تقوم على الصدق في الواقع قبل أي منام.
وللتفاصيل أثر في المعنى. فإن كان الكتاب المُعار عزيزًا على قلب الرائي ويحمل تعليقات بخطه، فقد يدل ذلك على بذل جزء من ذاته وتجربته. وإن كان كتابًا عاديًا، فقد يرمز إلى معروف بسيط لا يكلف صاحبه كثيرًا. وإذا عاد الكتاب متسخًا أو ناقصًا، فقد يعبّر عن خشية من عدم تقدير الآخرين لما يقدمه. وإذا عاد وفيه تعليق لطيف من المستعير، فقد يشير إلى تبادل نافع للأفكار.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم تذكيرًا بأن مشاركة المعرفة تثري صاحبها قبل غيره، وبأن من الحسن أن يدوّن الرائي ما يعيره ولمن أعاره حتى لا تختلط الأمور. ومن المفيد أن يحتفظ بنسخة من أفكاره أو ملخص لما قرأه، وأن يخصص وقتًا للمطالعة المنتظمة. كما أن مناقشة كتاب مع صديق تعمّق الفهم وتفتح آفاقًا جديدة. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو تعليمية متخصصة، ومن عانى من صعوبات مستمرة في القراءة أو التركيز فليستشر مختصًا.
وقد يحسن بالرائي أن يتأمل شعوره أثناء الإعارة قبل أن يتأمل شكل الكتاب، فالارتياح يميل إلى معنى الثقة والسخاء، والتحفظ يميل إلى معنى الحذر والرغبة في صون ما يملك. كما أن اسم المستعير أو هيئته، إن ظهرا في الحلم، قد يلقيان ضوءًا على العلاقة التي يشغل بها الرائي ذهنه في يقظته. وكل ذلك قراءة عامة لا تغني عن معرفة الرائي بنفسه وبمن حوله، وهو الأقدر على وزن ما يناسب حاله من هذه الاحتمالات.
وفي الختام، يبقى هذا التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا لا يبلغ درجة اليقين، فقد يتبدل معنى الرمز بتبدل صاحبه وظروفه. والأجدر بالرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله أن يجعل ما رآه خيرًا، وأن يرزقه علمًا نافعًا وصحبة صالحة. وأما ما تأتي به الأيام فلا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم قرار مصيري. وحسب الرائي أن يأخذ منه دافعًا لطيفًا إلى الكرم في المعرفة، ثم يمضي في أمره مطمئنًا.
