رؤية كتاب الخرائط في المنام صورة تحمل معاني الاتجاه والتخطيط والبحث عن الطريق، وتوحي بأن في الحياة مسارات تحتاج إلى تأمل. والرؤيا رمزية في أصلها، وتتأثر بما يشغل الرائي من خطط وأسفار وقرارات. فقد يكون المشهد أثرًا من رحلة يستعد لها أو من تطبيق للملاحة استعمله في يقظته. ولذلك ينبغي أن تُفهم هذه الرؤيا على أنها احتمالات للتأويل، لا إخبارًا مؤكدًا بشيء. وما يلي عرض هادئ لما قيل فيها مع الإقرار بحدود الاجتهاد.
الكتاب في عرف المعبرين رمز للعلم والمعرفة والتعلم، وللذاكرة وما يختزنه الإنسان من تجارب. وقد يشير إلى مراحل الحياة، فكل مرحلة لها طريقها ومعالمها. وقد يدل على الأفكار المنظمة التي يعتمد عليها صاحبها في سيره. غير أن هذه المعاني العامة تحتاج إلى النظر في موضوع الكتاب وحال الرائي. فالمعنى يتغير بتغير الأحوال، ولا يصح الاكتفاء بدلالة واحدة.
أما كتاب الخرائط فهو كتاب يرسم الأماكن والمسافات والاتجاهات، ويمنح القارئ تصورًا شاملًا لما لا يراه بعينه. ولذلك قد يُفهم على أنه رمز لرغبة الرائي في معرفة وجهته وتحديد خطواته القادمة. وقد يدل على تخطيط لسفر أو انتقال أو تغيير في مجال العمل. وقد يشير كذلك إلى شعور بالحيرة بين خيارات متعددة، وحاجة إلى رؤية أوسع للأمور. ويبقى ترجيح أحد هذه المعاني متوقفًا على ما يحيط بالرائي من ظروف.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الكتب أن الكتاب قد يدل على علم أو خبر أو أمر مكتوب يُرجع إليه، ولم يتفق الناقلون على تفاصيل كل صورة. وذكر بعض المعبرين أن الطريق في المنام قد يرتبط بمسلك الإنسان في أموره وما يسلكه من سبل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن السفر في المنام قد يدل على انتقال من حال إلى حال، وأن تفصيله يتبع صورته. وتتفاوت الآراء في انطباق ذلك على كتب الخرائط، فلا يوجد نص قاطع فيها. ولذلك ينبغي قبول هذه الأقوال بحذر وبوصفها اجتهادات.
يؤثر سياق الرؤيا في المعنى تأثيرًا كبيرًا. فإذا كانت الخريطة واضحة والرائي يهتدي بها بسهولة، فقد يوحي ذلك بثقة في اختيار الاتجاه وطمأنينة في التخطيط. وإذا كانت الخطوط متشابكة أو الأسماء مبهمة، فقد يعكس ذلك ارتباكًا في ترتيب الأولويات أو حيرة بين الاختيارات. وإذا كان الرائي يبحث عن مكان لا يجده، فقد يرتبط ذلك بهدف مؤجل أو بشعور بالضياع المؤقت. ويعين شعور الرائي عند الاستيقاظ على معرفة جهة الميل بين الاطمئنان والتشتت.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فالطالب أو الخريج قد تكون الرؤيا عنده انعكاسًا لحيرته في اختيار تخصص أو عمل، وقد تدل على حاجته إلى استشارة مرشد. والمسافر أو من يستعد لرحلة قد تكون الرؤيا عنده صدى مباشرًا لتحضيراته. والتاجر أو صاحب المشروع قد ترتبط عنده بدراسة الأسواق وتحديد الوجهة. وكبير السن قد ترمز الرؤيا عنده إلى مراجعة الطريق الذي قطعه واستحضار محطاته. ويظل فهم الرائي لحاله أدق من القوالب الجاهزة.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها في الفهم. فنوع الخريطة، أهي خريطة مدينة أم قارة أم خريطة قديمة، قد يشير إلى مدى اتساع القرار الذي يفكر فيه الرائي. ووضوح علامات الاتجاه والألوان قد يوحي بوضوح الهدف، وبهتانها قد يوحي بغموضه. وإن كانت الخريطة ناقصة أو ممزقة فقد يدل ذلك على شعور بنقص المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار. وإن كان الرائي يضع علامة على نقطة بعينها فقد يشير ذلك إلى هدف محدد يتجه إليه.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد تعكس هذه الرؤيا حاجة إلى رسم خطة واضحة وتحديد خطوات قريبة بدل الاكتفاء بالتفكير العام. وقد تكون تذكيرًا لطيفًا بأن الطريق يتضح بالمشي وبالاستعانة بالمعرفة والمشورة. ومن شاء الاستفادة فله أن يكتب هدفه ثم يقسمه إلى مراحل صغيرة يمكن تنفيذها واحدة بعد أخرى. غير أن الحلم ليس نصيحة تعليمية أو مهنية متخصصة، ولا يغني عن رأي أهل الاختصاص. وإنما هو مناسبة للتأمل في الوجهة وفي طريقة السير إليها.
وخلاصة القول أن كتاب الخرائط في المنام قد يرمز إلى البحث عن الاتجاه والتخطيط وتصور الطريق، وإلى رغبة في رؤية أوسع للأمور. وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار مصيري. والأولى أن يدعو الرائي ربه بالخير وأن يحسن الظن بالله، وأن يستشير أهل الرأي ويخطو خطواته بتأن. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الرؤيا إلا صورة قد تحمل معنى وقد لا تحمل. فليطمئن الرائي، وليأخذ منها ما يعينه على ترتيب وجهته.
