رؤية كتاب العلوم في المنام صورة تحمل معاني التفكير المنظم والفضول والرغبة في فهم ما حول الإنسان. والرؤيا رمزية في أصلها، وتتأثر بما يشغل الرائي من أفكار وأحوال وما صادفه في يقظته من دروس أو مقاطع علمية. فقد يكون المشهد أثرًا من مادة درسها أو سؤال طرحه طفل عليه. ولذلك ينبغي أن تُقرأ هذه الرؤيا على أنها احتمالات للتأويل، لا إخبارًا مؤكدًا بشيء. وما يلي عرض هادئ لما قيل فيها مع الإقرار بحدود الاجتهاد.
الكتاب في عرف المعبرين رمز للعلم والمعرفة والتعلم، وللذاكرة وما يختزنه الإنسان من تجارب. وقد يشير إلى مراحل الحياة، فكل مرحلة تضيف إلى رصيد الفهم شيئًا جديدًا. وقد يدل على الأفكار المنظمة التي يبني عليها صاحبها قراراته. غير أن هذه المعاني العامة تحتاج إلى النظر في موضوع الكتاب وحال الرائي. فالمعنى يتغير بتغير الأحوال، ولا يصح الجزم بدلالة واحدة.
أما كتاب العلوم فهو كتاب يعرض الظواهر ويشرح أسبابها بالتجربة والاستدلال. ولذلك قد يُفهم على أنه رمز للفضول والبحث، وللرغبة في فهم الأشياء على حقيقتها لا على ظاهرها. وقد يدل على اتجاه الرائي إلى التفكير المنطقي وحل المشكلات بخطوات مرتبة. وقد يشير كذلك إلى مرحلة يطلب فيها الإنسان أجوبة عن أسئلة طال انتظارها. ويبقى ترجيح أحد هذه المعاني متوقفًا على أحوال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الكتب أن الكتاب قد يدل على علم أو خبر أو أمر مكتوب يُرجع إليه، ولم يتفق الناقلون على تفاصيل كل صورة. وذكر بعض المعبرين أن ما يتصل بالتعلم والمعرفة في المنام قد يرتبط بالطلب والاجتهاد والفهم أكثر من ارتباطه بنتيجة محققة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأدوات التي تُستعمل في الكتابة والقياس قد تشير إلى الدقة وضبط الأمور. وتتفاوت الآراء في ذلك، فلا يوجد نص قاطع في كتاب العلوم خاصة. ولذلك ينبغي قبول هذه الأقوال بحذر وبوصفها اجتهادات.
يؤثر سياق الرؤيا في المعنى تأثيرًا كبيرًا. فإذا كان الرائي يقرأ الكتاب بوضوح ويفهم ما فيه، فقد يوحي ذلك بثقة وقدرة على الاستيعاب. وإذا كانت المعادلات والرسوم معقدة لا يستطيع حلها، فقد يعكس ذلك شعورًا بالضغط أو بصعوبة موضوع يواجهه. وإذا كان الرائي يجري تجربة في مختبر، فقد ترتبط الرؤيا بتجريب أمر جديد في حياته. ويعين شعور الرائي عند الاستيقاظ على معرفة ما إذا كان المشهد محفزًا أم مجهدًا.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي. فالطالب قد تكون الرؤيا عنده انعكاسًا لدراسة المواد العلمية أو للاستعداد لاختبار فيها، فلا تحتاج إلى تأويل أبعد. والمهندس أو الطبيب أو الباحث قد ترتبط الرؤيا عنده بمهام عمله اليومية وما يتطلبه من دقة. والأب أو الأم قد تعبّر الرؤيا عندهما عن رغبة في تشجيع الأبناء على حب الاستكشاف. ومن يفكر في تغيير مسار دراسته أو عمله قد ترمز الرؤيا عنده إلى ميل نحو مجال جديد. ويظل فهم الرائي لحاله أدق من القوالب الجاهزة.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها في الفهم. فنوع العلم، أهو فيزياء أم أحياء أم فلك أم كيمياء، قد يشير إلى الجانب الذي يشغل ذهن الرائي أو يحتاج إلى عناية. ووجود الصور التوضيحية والمجسمات قد يدل على حاجة إلى التبسيط والفهم البصري. وإن كانت الصفحات مليئة بالرموز والأرقام فقد يعكس ذلك تفكيرًا كثيرًا في الدقائق. وإن رافق الرائي معلم أو زميل يشرح له الدرس فقد يدل ذلك على حاجته إلى معين في أمر يتعلمه.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد تعكس هذه الرؤيا رغبة في الفهم المنظم للأمور، وحاجة إلى التفكير الهادئ قبل اتخاذ القرارات. وقد تكون تذكيرًا لطيفًا بقيمة السؤال وبأن الفضول بداية كل تعلم. ومن شاء الاستفادة فله أن يختار موضوعًا علميًا يحبه ويخصص له وقتًا أسبوعيًا للقراءة. غير أن الحلم ليس نصيحة طبية أو علمية أو تعليمية متخصصة، ولا يغني عن رأي أهل الاختصاص. وإنما هو مناسبة للتأمل في طريقة التفكير وفي ما يثير الاهتمام.
وخلاصة القول أن كتاب العلوم في المنام قد يرمز إلى الفضول والتفكير المنظم وطلب الفهم، وإلى رغبة في ترتيب ما يشوش الذهن. وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار مصيري. والأولى أن يدعو الرائي ربه بالخير وأن يحسن الظن بالله، وأن يواصل الطلب بصبر ومنهج. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الرؤيا إلا صورة قد تحمل معنى وقد لا تحمل. فليطمئن الرائي، وليأخذ منها ما يحفزه على مزيد من القراءة والاستكشاف.
