رؤية الإنسان نفسه يكتب تعليقات على هامش كتاب في منامه من الرؤى التي تحمل طابعًا هادئًا وتأمليًا، وهي تدعو إلى التفكير في علاقته بما يقرأ وما يتعلمه. وينبغي أن يُعلم منذ البداية أن الرؤيا رمزية في أصلها، وأنها تتأثر بأحوال الرائي وأفكاره وما يشغله في يقظته. فليست كل صورة في المنام رسالة محددة، وقد تكون انعكاسًا لانشغال عابر أو لعادة قديمة. لذلك يحسن أن تُقرأ هذه الرؤيا على أنها إشارات محتملة، لا أخبارًا مؤكدة. وما يأتي بعد ذلك عرض لاحتمالات التأويل المتداولة، وليس جزمًا بشيء منها.
الكتاب في عرف المعبرين رمز واسع، يدل في الغالب على العلم والمعرفة والتعلم، وعلى الذاكرة وما يحفظه المرء من تجاربه. وقد يرمز كذلك إلى مراحل الحياة، إذ تشبه صفحاته فصولًا يطويها الإنسان واحدًا بعد آخر. وقد يدل على الأخبار والرسائل أو على الأفكار التي ينوي صاحبها تدوينها وحفظها. غير أن هذه المعاني ليست قاعدة مطردة، فالرمز الواحد يختلف باختلاف الرائي وحاله. ولذلك تبقى الدلالة العامة مجرد مدخل للفهم، لا مفتاحًا جامعًا لكل رؤيا.
أما الكتابة على الهامش فتختلف عن قراءة الكتاب مجردًا، لأنها مشاركة فعلية في النص وحوار معه. فمن يدوّن تعليقًا على جانب الصفحة يعبّر عن رأيه، ويسجل اعتراضًا أو استحسانًا أو سؤالًا طرأ على ذهنه. وقد يدل ذلك في تأويل بعض المفسرين المعاصرين على ميل الرائي إلى التفكير النقدي وعدم الاكتفاء بالتلقي. وقد يشير أيضًا إلى رغبته في أن يترك أثرًا شخصيًا فيما يمر به من تجارب. ويظل هذا كله احتمالًا يحتاج إلى مقارنته بحال صاحب الرؤيا.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الكتب أن رؤية المرء كتابًا بين يديه قد تدل على علم يصيبه أو خبر يصله، ولم يتفق الناقلون على تفصيل كل صورة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الكتابة في المنام قد تعبّر عن عهد أو التزام أو أمر يثبّته صاحبه. ويرى بعض المعبرين أن التعليق على الصفحة أقرب إلى الرأي الشخصي منه إلى العهد. وتختلف الآراء في ذلك، ولا يصح الاعتماد على قول واحد منها. ويحسن أن يتعامل الرائي مع هذه الأقوال بوصفها اجتهادات متفاوتة القوة.
يتأثر المعنى كثيرًا بسياق الرؤيا. فإذا كانت الصفحة نظيفة والخط واضحًا والمشهد مريحًا، فقد يُفهم ذلك على أنه وضوح في الفكر وطمأنينة في طلب المعرفة. وإذا كان الهامش مزدحمًا بالكلمات المتداخلة، فقد يعكس انشغالًا بكثرة الأفكار وتزاحمها. وإذا كان القلم يتعثر أو الحبر يتلاشى، فقد يدل على شعور بالتردد أو بعدم القدرة على صياغة الرأي. وكذلك يختلف الأمر بحسب شعور الرائي عند الاستيقاظ، أهو ارتياح أم ضيق.
وتختلف دلالة الرؤيا باختلاف الرائي. فالطالب قد يكون ذلك انعكاسًا لانشغاله بالدراسة وبما يدوّنه من توضيحات، وقد يدل على رغبته في فهم أعمق. والموظف أو صاحب العمل قد يعبّر ذلك عن اهتمامه بتسجيل آرائه في مسائل عمله. وربة البيت قد تشير الرؤيا عندها إلى رغبتها في ترتيب أفكارها وتجاربها اليومية. وكبير السن قد يرتبط ذلك عنده بميله إلى استرجاع ذكرياته وتسجيل خلاصة ما مر به. وفي جميع الأحوال يبقى تأويل صاحب الرؤيا لحاله أصدق من تأويل غيره لها.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها في الفهم. فنوع القلم، أهو قلم رصاص يمكن محوه أم قلم حبر ثابت، قد يوحي بدرجة الثبات في الرأي أو القابلية لمراجعته. ولون الحبر كذلك، فالألوان الهادئة تميل إلى الاطمئنان، والألوان الصارخة قد تعبر عن انفعال. وما كُتب في الهامش، أهو سؤال أم اعتراض أم استحسان أم رمز غامض، يضيف طبقة أخرى من الدلالة. وكون الكتاب مملوكًا للرائي أو لغيره يغيّر المعنى أيضًا، لأن الكتابة في ما يملكه المرء تختلف عن الكتابة في ما يخص غيره.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد تعكس هذه الرؤيا حاجة إلى التفاعل مع ما يقرؤه الإنسان وعدم الاكتفاء بالمرور السريع. وقد تكون تذكيرًا لطيفًا بقيمة تدوين الأفكار في دفتر يومي أو على أطراف الصفحات. ومن أفاد من هذه الفكرة فله أن يجرب عادة بسيطة، كأن يسجل سؤالًا واحدًا بعد كل قراءة. غير أن الرؤيا ليست نصيحة طبية أو تعليمية متخصصة، ولا تغني عن استشارة أهل الاختصاص. وإنما هي مناسبة للتأمل الهادئ في طريقة التعلم وأسلوب التفكير.
وخلاصة القول أن تدوين التعليقات على الهامش في المنام قد يعبّر عن حوار داخلي مع المعرفة، وعن رغبة في الفهم والمشاركة وترك أثر. وكل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار مصيري. والأولى أن يدعو الرائي ربه بالخير وأن يحسن الظن بالله، وأن يمضي في عمله وتعلمه بجد وهدوء. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الرؤيا إلا صورة قد تحمل معنى وقد لا تحمل. فليطمئن قلب الرائي وليجعل من الحلم دافعًا إلى مزيد من القراءة والتأمل.
