قد يرى الإنسان في منامه أنه في بيت عزاء أو مجلس مواساة، وأن الخبز يُقدَّم هناك أو يوزَّع على الحاضرين، فيستيقظ وفي نفسه سكون وربما حزن خفيف. وهذه الصورة مألوفة في بيئات يجتمع فيها الناس لمواساة أهل المصاب ويتشاركون الطعام تخفيفا عنهم، ولذلك قد تظهر في الأحلام بعد موقف حقيقي أو ذكرى عزيزة. والأحلام رموز تتأثر بالمشاعر والذكريات، ولا يصح أن تُحمل على ظاهرها، وكل ما يُقال في تأويلها اجتهاد بشري. فلنقرأ الصورة بسكينة واحترام، ولنعلم أنها لا تحمل خبرا عن أحد.
الخبز رمز القوت اليومي والتكافل الأول بين الناس، وقد جرت عادة كثيرين على إرسال الطعام إلى أهل المصاب مواساة لهم وتخفيفا عنهم. ولذلك قد يُنظر إلى ظهور الخبز في مجلس العزاء على أنه صورة للتراحم والتعاون ووقوف الناس بعضهم مع بعض في أوقات الحزن. ومن الناحية النفسية قد يعبّر الحلم عن حاجة إلى المواساة أو عن تأثر بفقد مرّ بالرائي أو بمن حوله. وهذا معنى إنساني رقيق لا يتجاوز الاحتمال.
نُسب إلى ابن سيرين أنه ربط الخبز بالمعيشة والكسب، وأن ما يُقرن به من مواقف الحزن والاجتماع قد يُنظر إليه في ضوء الحال النفسية للرائي. وذهب بعض المفسرين إلى أن مشاهد المواساة في المنام قد تُحمل على ما في النفس من شجن أو على حاجة إلى الدعاء والصلة، مع اختلافهم الواسع في التفصيل. وقال آخرون إنها كثيرا ما تكون حديث نفس لا أكثر. فهي أقوال متفاوتة تُروى للاطلاع، ولا يُبنى عليها حكم.
ويتغير المعنى بحسب الحال، فمجلس العزاء الهادئ المترابط يوحي بالسكينة والتراحم، والمجلس المضطرب قد يوحي بقلق داخلي. ويؤثر حال الخبز، أيُقدَّم بسخاء ورفق أم بصمت، وكذلك هوية الحاضرين، أهم أقارب مألوفون أم غرباء. وتبقى مشاعر الرائي أهم المؤشرات، فمن أحس بالسكينة والمواساة يختلف عمن أحس بالثقل. ومن المهم ألا يُحمَّل المشهد معنى مخيفا.
وإذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة فقد يعبّر الحلم عند بعضهم عن تأثرها بفقد أو بموقف حزين سمعت عنه، أو عن رغبتها في أن تكون سندا لمن تحب. وقد يكون صدى لزيارة عزاء حقيقية. أما المرأة المتزوجة فقد يتصل الحلم عندها بدورها في مواساة الأهل والجيران وتجهيز الطعام لهم، فهي كثيرا ما تحمل هذا العبء الرحيم. وفي ذلك ما يذكّرها بقيمة ما تقدمه.
وإذا كان الرائي رجلا فقد يعبّر الحلم عن مسؤوليته في الوقوف مع أهله وأصدقائه في ملماتهم، أو عن تأثره بفقد قريب. وقد يرى فيه بعضهم دعوة إلى صلة الأرحام والسؤال عن المحتاجين، وهذا لا يُلزم أحدا. وأما التاجر فقد يتصل الحلم عنده بعلاقاته الاجتماعية وما يرتبط بها من مجاملات، وبأن الوقوف مع الناس في الشدة يبني محبة تبقى. وكلها احتمالات تأملية.
وللتفاصيل دور في الإيضاح، كأن يكون الخبز مع التمر أو الطعام البسيط، وأن يُقدَّم في هدوء، وأن يكون في بيت مألوف أو مكان غريب. وإذا بدا الحاضرون متعاونين متآلفين فقد توحي الصورة بالتكافل. ولا ينبغي أن يُستنتج من أي تفصيل شيء عن شخص بعينه، فالأحلام لا تُخبر عن أحوال الناس، وتفاصيلها ظلال معنى لا أكثر.
ومن الناحية العملية والنفسية يمكن أن يكون الحلم دعوة هادئة إلى تفقد من أصابهم حزن أو فقد، وإلى مواساتهم بكلمة طيبة أو زيارة أو طعام. فالمواساة أبسط صور الرحمة بين الناس، وأثرها في القلب يدوم. ويمكن للرائي أن يدعو لأحبته الراحلين بالرحمة وأن يتصدق عنهم بما تيسر، فذلك يبعث في نفسه السكينة. وفي هذا كله ما يخفف الحزن ويعمّر القلب.
وقد يتأمل الرائي أن الحزن جزء من الحياة، وأن الله جعل بين الناس رحمة تخفف عنهم، فتجتمع القلوب في الأحزان كما تجتمع في الأفراح. وفي الحلم ما قد يوقظ هذا المعنى، فيشعر الإنسان أنه ليس وحده. ومن أحسّ بذلك تحمّل ما أصابه بصبر وأمل. وهذه معان إيمانية رقيقة تصلح لكل حال.
وإذا ترك الحلم أثرا ثقيلا فلا بأس أن يتحدث الرائي مع من يثق به، أو أن يشغل نفسه بما ينفعه من ذكر ودعاء وعمل هادئ. فالأحلام التي تلامس الحزن قد تتأثر بما يحمله الإنسان في قلبه، وليس من الحكمة أن يتركها تسيطر على يومه. وحسن الظن بالله وقراءة ما يطمئن القلب خير عون. وبعد ذلك تنقشع الصورة وتعود السكينة.
وخلاصة القول إن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يصح أن يُجعل أساسا لقرار أو حكم أو توقع، ولا يُقال به في شأن أحد من الأحياء أو الأموات. فمن رأى ما يزعجه فليستعذ بالله ويحسن الظن به ويدعُه بالطمأنينة. والغيب علمه عند الله وحده، وهو أرحم الراحمين. ونسأله سبحانه أن يرحم موتانا وموتى المسلمين وأن يربط على قلوب المحزونين.
