يرى بعض الناس في منامهم الخباز، وهو الرجل الذي يقف قرب الفرن وقد علاه الطحين وبلله العرق، يعجن ويشكّل ويُخرج الأرغفة. وقد يكون الخباز في الحلم شخصًا يعرفه الرائي، أو غريبًا لا يعرفه، أو هو الرائي نفسه في دور الخباز. وهذه الصورة مألوفة في أحلام الناس لأنها ترتبط بالمهنة التي تتصل بحياتهم اليومية. وقد يتساءل الرائي عن معنى ظهور هذا الشخص بالذات. والتفسير رمزي لا حرفي، وكل ما يُقال هنا قراءات محتملة يُستأنس بها، ولا تُعدّ خبرًا عن الغيب.
الخباز هو من يتولى أمر الخبز صناعة وتقديمًا، فهو في الأذهان صاحب الصنعة التي يعيش عليها الناس، ومن يوصل القوت إليهم. ولذلك ربطه بعض الشارحين بمن يتولى أمر المعاش، كمعيل أو مدبر أو صاحب عمل أو شخص ينفع الناس بما يقدمه. ويرى آخرون فيه صورة للمهارة والإتقان والسهر على راحة الآخرين، فالخباز يستيقظ قبل الناس ليكون الخبز جاهزًا. وقد يعبّر الحلم عن إعجاب بصنعة أو عن حاجة إلى من يعين، أو عن رغبة في الاعتماد على الذات. وهذه كلها أوجه محتملة لا يتعين أحدها.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن أصحاب الصنائع في الرؤيا يدلّون على ما يشبه صنائعهم، فالخباز يُحمل على من يقوم بأمر الأقوات. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى ربط الصانع بالأمر الذي يصنعه، فيكون الخباز دليلًا على من يدبر الرزق أو يتولى أمره. وقد اختلف المفسرون في هذا الباب، فبعضهم حمل الصناع على أحوالهم وأخلاقهم وبعضهم حملهم على أعمالهم. ولذلك فإن هذه الأقوال ليست أحكامًا ثابتة، بل هي اجتهادات تتعدد فيها الأنظار.
ويتغير المعنى بتغير الحال التي يظهر بها الخباز. فإن كان بشوشًا يقدم الخبز بحفاوة فالصورة أقرب إلى الطمأنينة، وإن كان عابسًا أو متعجلًا فللأمر ظلال أخرى. وإن كان يعرفه الرائي فالدلالة قد تتصل بشخص حقيقي في حياته، وإن كان غريبًا فهي أقرب إلى رمز عام. وإن كان الرائي هو الخباز فالأمر يتصل بسعيه وجهده، وإن كان يعمل معه فيتصل بالتعاون. وما يشعر به الرائي تجاه الخباز، أهو ثقة أم ريبة، هو أقوى مفتاح لفهم الحلم نفسيًّا.
وللمرأة المتزوجة قد يوحي الخباز بمن يعين بيتها في معاشها، كزوج أو أخ أو والد، أو بشخص ينفعها بما يقدمه، وقد يكون مجرد انعكاس لمشهد اعتادته في الحي. وللفتاة غير المتزوجة قد يُنظر إليه على أنه صورة لمن يتولى أمرها أو ترى فيه أمانًا ومعيشة مستقرة، أو هو ببساطة رجل رأته في المخبز. وللحامل قد يرتبط الحلم بالشخص الذي تعتمد عليه في أمر طعامها وعنايتها. ولا ينبغي أن تبني امرأة على هذه القراءات حكمًا في علاقة أو اختيار، فهي خواطر لا أكثر.
وللرجل قد يرمز الخباز إلى صاحب عمل أو شريك أو معين في الكسب، وقد يقرأه بعضهم دعوة إلى الإتقان في الصنعة وحسن المعاملة. وللتاجر قد يشير إلى مورّد أو صاحب حرفة يتعامل معه، فيتأمل في أمانة التعامل ووفاء العهود. وللعامل في المخابز قد يكون الحلم مرآة لحياته اليومية. ولا يجوز أن يغير الإنسان تعامله مع أحد بسبب رؤية خباز في المنام، فالمعاملات تُبنى على الواقع والأخلاق لا على الصور المنامية.
ومن الدقائق التي تُراعى: هيئة الخباز ونظافته، وهل كان وجهه معروفًا، وهل كان يقدم الخبز للرائي أم لغيره، وهل كان يتكلم أو يعمل بصمت. وهل كانت يداه نظيفتين، وهل كان معه مساعدون، وهل أعطى الرائي أكثر مما طلب أو أقل. ويرى بعضهم أن الخباز الكريم الذي يزيد في العطاء رمز للخير من أحد الناس، وأن البخيل رمز للتقتير. وهذه التفاصيل تضيف ظلالًا إلى الحلم ولا تحسم المعنى.
وفي هذا الحلم جانب أخلاقي لطيف، فهو يذكّر بفضل أصحاب الحرف الذين يعملون بصمت في أول النهار لنأكل نحن، وبوجوب شكرهم وتقدير جهدهم. ويدعو إلى حسن معاملة العاملين والبائعين، وإلى عدم الانتقاص من الصنعة اليدوية، وإلى إتقان كل منا عمله الذي يؤديه. وهو كذلك فرصة لدعاء الخير لكل من يسعى في إطعام الناس. وهذه الأعمال الطيبة تنفع الرائي والمجتمع كله، فهي أبقى من أي تأويل ظني.
وينبغي أن يتذكر الرائي أن الشخصيات في الأحلام كثيرًا ما تكون صورًا لأشخاص رآهم أو سمع عنهم، وقد تتشكل من مزيج لا يعبّر عن واحد منهم بعينه. فلا ينبغي أن يُسقط الحلم على شخص حقيقي فيسيء الظن به أو يبالغ في الاعتماد عليه. فحسن الظن بالناس أصل، والحكم يكون بالعمل لا بالمنام. وبهذا الاتزان يحفظ الإنسان علاقاته من وساوس لا أساس لها.
وخلاصة القول أن تأويل الرؤى اجتهاد بشري ظني، يخطئ المفسر فيه ويصيب، ولا يجوز أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في المال أو العمل أو العلاقات. فمن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يزعجه فليدعُ ربه ويحسن به الظن. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الذي يسخّر لعباده من يعينهم في أرزاقهم، فليطمئن الرائي وليمضِ في سعيه بنية طيبة.
