كثيراً ما يحكي الطفل لأمه أو أبيه في الصباح أنه رأى في نومه رغيف خبز، أو أنه كان يأكل خبزاً شهياً، أو يمسك بكيس مليء بالأرغفة. وهذه الأحلام من أبسط ما يمر بخيال الصغار، لأن عالمهم محوره الطعام واللعب والأهل والبيت. وحين يسمعها الكبار قد يتساءلون عما تعنيه، وقد يخشى بعضهم أن يكون فيها إشارة إلى شيء مقلق. والأصل أن يُنظر إلى مثل هذه الرؤى نظرة رمزية هادئة لا حرفية، فهي في الغالب انعكاس لحياة الطفل اليومية، وليس فيها خبر مؤكد عن شيء قادم.
الخبز في المنام عند من تناولوه بالتفسير يرتبط عادة بالقوت اليومي والرزق الذي يقيم الحياة، فهو أقرب الأطعمة إلى الناس وأكثرها حضوراً في بيوتهم. ويُنظر إليه كذلك على أنه رمز للجهد والكسب، لأن الرغيف يمر بالعجن والنار قبل أن يصل إلى الفم. ويرتبط أحياناً بمعنى الاجتماع على المائدة والمشاركة بين أفراد الأسرة، وبمعنى الامتنان للنعمة الصغيرة المتكررة. وقد يُفهم الخبز المتغير أو اليابس على أنه إشارة إلى أمر معطل أو متأخر، ويبقى هذا كله من باب الرمز الذي يحتمل أكثر من وجه ولا يُجزم به.
نُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول من كتب التعبير أن الخبز يدل على المعيشة والرزق الذي يأتي بعد جهد، وأن الرغيف الطري الجيد أحسن حالاً في دلالته من الجاف. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى ربط الخبز بالقوت الذي يعين صاحبه ويكفيه شيئاً من حاجته. وقال بعض المفسرين إن رؤية الصغير للطعام عموماً قد ترتبط بما يحيط به من رعاية أهله، بينما رأى غيرهم أن حلم الأطفال أقل ارتباطاً بالتعبير وأكثر ارتباطاً بما شغلهم في يومهم. وقد اختلفت آراء أهل التعبير في ذلك، فلا تُعد هذه الأقوال قاعدة ثابتة، وإنما هي اجتهادات تُروى على سبيل الاستئناس.
ويتغير المعنى بتغير السياق الذي ظهر فيه الخبز في حلم الصغير. فإذا كان الرغيف دافئاً ذا رائحة طيبة وكان الطفل مسروراً به، فقد يُفهم ذلك على أنه صورة للأمان والدفء الذي يجده في بيته. وإذا كانت الأرغفة كثيرة فقد تعكس شعوره بالوفرة أو رغبته في المزيد من الاهتمام، وإن كان الخبز قليلاً فقد يكون مجرد تعبير عن جوع أو شهية قبل النوم. ويُنظر كذلك إلى من أعطاه الخبز، أكانت أمه أم أباه أم جدته أم غريباً لا يعرفه، وإلى ما إذا كان قد أكل بهدوء أم بعجلة، فهذه قرائن تُستأنس بها في فهم مشاعره وليس في استنباط غيب.
وللطفل الذكر قد يُقال إن الخبز يعكس حاجته إلى القوة والنمو، فهو في سن يكبر فيها جسده ويتسع خياله. وللطفلة الصغيرة قد يُفهم الرغيف على أنه صورة من صور الرعاية التي تتلقاها من أمها أو من الكبار حولها، وربما كان انعكاساً للعبها بالمطبخ والعجين في دور الأم الصغيرة. وهذا كله تأويل رمزي لا غير، فالأطفال في أحلامهم يخلطون الواقع بالخيال بلا حدود، ويُحسن بالأهل أن يستمعوا إلى رواية الطفل بابتسامة دون أن يضخموا ما سمعوه.
وللأم التي ترى في منامها أن ولدها الصغير يأكل خبزاً قد يُفهم ذلك على أنه انعكاس لاهتمامها العميق به وقلقها الجميل عليه وسعيها إلى سد حاجته. وللأب الذي يسهر على رزق أسرته قد يكون الرغيف المقدم لابنه صورة من صور الكد والمسؤولية التي يحملها كل يوم. وهي في كل الأحوال معانٍ رمزية تُقال على سبيل الفهم الهادئ، ولا تُبنى عليها قرارات تتعلق بالطفل أو بحاضره أو بمستقبله.
وللتفاصيل الدقيقة أثر في هذا الحلم لدى من يهتمون بتأمل الرموز. فإن كان الخبز مع شيء حلو أو مع جبن أو زيتون فقد تعكس الصورة ما اعتاده الطفل على مائدته، وإن كان وحيداً على طبق فقد يكون مجرد صورة بسيطة عابرة. وإن شارك الطفل خبزه مع طفل آخر فهي صورة جميلة تذكّر بقيمة المشاركة. وإن أضاع الخبز أو أسقطه فقد يكون ذلك انعكاساً لموقف من يومه، ولا يستدعي قلقاً. وكل ذلك قراءة رمزية مفتوحة لا يُجزم بها.
ومن الجانب النفسي والتربوي، فإن حلم الطفل بالخبز فرصة طيبة للحوار الدافئ معه حول الطعام والنعمة وفضل المشاركة. وللأهل أن يعوّدوا صغارهم على شكر من أعد لهم الطعام، وعلى عدم رمي الخبز، وعلى تقاسم ما عندهم مع إخوتهم وأصدقائهم. كما أن انتظام وجبات الطفل ونومه وجلوس الأسرة معاً على المائدة يمنحه طمأنينة تنعكس على أحلامه. وإذا حكى الصغير حلمه فاسمعوا منه بحنان، وأجيبوه بكلمة طيبة، ولا تحمّلوه أكثر مما يحتمل عقله الصغير من التأويل.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي يتعلق بالطفل أو بتربيته أو بصحته، فهذه أمور ترجع إلى الحكمة والتجربة وأهل الاختصاص. والأولى أن يدعو الأهل لصغارهم بالخير والحفظ، وأن يحسنوا الظن بالله في كل أمرهم. أما ما يخبئه الغد فعلمه عند الله وحده، وليس على الأهل إلا أن يحسنوا التربية ويأخذوا بالأسباب ويرضوا بما كتبه الله.
