يرى بعض الناس في منامهم عجينًا مختمرًا قد انتفخ وارتفع في وعائه وصار مليئًا بالفقاعات الصغيرة والرائحة الحامضة الخفيفة. وهو مشهد مألوف لمن يخبز في بيته، إذ يُترك العجين تحت قطعة قماش حتى يتضاعف حجمه. وعندما يظهر في المنام قد يوحي بمعنى النمو والزيادة، فيتساءل الرائي عن دلالته. والتفسير رمزي لا حرفي، وكل ما يُقال هنا قراءات محتملة يُستأنس بها، ولا تُجعل أساسًا لتوقع أو قرار، فالأمر كله ظن واجتهاد.
الاختمار عملية بطيئة صامتة تتم بالوقت والدفء، فلا يستطيع الخباز أن يُسرّعها بالقوة، وإنما يُهيّئ لها الظروف وينتظر. ولهذا ربطه بعض الشارحين بنمو الأمور بالصبر، وبزيادة الرزق أو تحسن الحال بعد مدة من الانتظار. ويرى آخرون فيه صورة للأمر الذي يتضاعف أثره بالتدريج، كعلم أو مال أو سمعة طيبة. وقد يعبّر الحلم عن أمل الرائي في نماء ما بذل فيه جهدًا. وقد يكون مجرد صورة لعجين تُرك في مطبخه. وكل هذه أوجه محتملة، ولا ينبغي الجزم بشيء منها.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن العجين الذي ينمو ويزداد في الرؤيا قد يدل على زيادة في المال أو الأمر الذي يُرمز إليه به. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى ربط الخمير والعجين بتعبئة الأمر ونموه إذا كان في موضعه. واختلف المفسرون في هذا اختلافًا ظاهرًا، فرأى بعضهم في الخمير معنى الفساد إذا كان فيه حموضة شديدة، ورأى آخرون أنه من علامات الصلاح إذا اعتدل. ولذلك لا ينبغي أن تُعدّ هذه الأقوال حاسمة، فهي تحتمل أكثر من وجه.
ويتغير المعنى بحسب السياق. فالعجين المختمر ذو الرائحة الطيبة المعتدلة يُقرأ قراءة أهدأ من العجين المفرط الحموضة الذي فاض من الوعاء. وإذا رأى الرائي أنه ينتظر العجين فارتفع شيئًا فشيئًا، فالصورة أقرب إلى الصبر والثمرة، وإذا وجد العجين مختمرًا دون أن ينتظره فللصورة طابع المفاجأة. وإذا كان العجين في وعاء مغطى بقماش فللستر والحفظ معنى عند بعضهم. وإذا انتفخ حتى خرج من الوعاء فقد يلتفت بعضهم إلى معنى الكثرة المفرطة. وإحساس الرائي بالسرور أو القلق هو الفيصل في فهم الحلم نفسيًّا.
وللمرأة المتزوجة قد يوحي العجين المختمر بحسن تدبيرها وصبرها على إعداد طعام أسرتها، وقد يقرأه بعضهم على أنه تعبير عن رغبة في نماء بيتها وبركته. وللفتاة غير المتزوجة قد يُنظر إليه على أنه صورة لأمر يكبر في حياتها بهدوء كعلم أو علاقة أو مهارة. وللحامل قد يربط بعضهم بينه وبين نمو الجنين وما يحمله من صبر وانتظار، وهو معنى لطيف يُؤخذ على أنه تأمل وليس نبوءة. وكل هذه القراءات لا تلزم أحدًا.
وللرجل قد يرمز العجين المختمر إلى مشروع ينمو ببطء أو مال ينمو بالصبر، وقد يقرأه بعضهم دعوة إلى الانتظار وعدم تعجّل الثمرة. وللتاجر قد يوحي بتجارة تتوسع بالتدريج وتحتاج إلى صبر وحسن تدبير، فيستأنس بالحلم في التأني وعدم الاندفاع إلى التوسع المفرط. وللمستثمر الصغير قد يكون الحلم انعكاسًا لأمنياته. ولا يصح أن يتحول ذلك إلى مبرر للمجازفة أو للتقاعس، فكلاهما يخالف العقل والحكمة.
ومن الدقائق التي تُراعى: مقدار الانتفاخ، وهل تضاعف حجم العجين أم زاد قليلًا، وهل كان في مكان دافئ أم بارد، وهل اللون أبيض نقي أم داكن، وهل رائحته طيبة أم حادة. وهل غُطّي بقطعة قماش، وهل فُتحت عليه الأغطية بسرعة فاستعجل الرائي. ويرى بعضهم أن النفخ المتدرج دليل على نمو متزن، وأن الانتفاخ الفجائي يدل على ظهور مفاجئ. وهذه الدقائق تضيف إلى الحلم عمقًا لا يقينًا.
وفي هذا الحلم جانب نفسي وأخلاقي ثمين، فهو يعلّم الإنسان أن بعض الأمور لا تُدرك بالعجلة وإنما بالانتظار الواعي، وأن إعداد الظروف المناسبة جزء من العمل. ويمكن للرائي أن يستلهم منه الصبر في تربية أولاده أو تنمية مهاراته أو بناء عمله. وفيه تذكير بأن النمو الهادئ أثبت من القفزات المفاجئة، وبأن الله يبارك في القليل المستمر. وهذه الدروس صالحة في كل حال، سواء ثبت للحلم تأويل أم لم يثبت.
وليس من الحكمة أن يعلّق الإنسان آماله العريضة على حلم عجين مختمر، فلعل صورته جاءت من رائحة خبز مرّ بها أو من تفكير في وصفة. والتوكل الحقيقي أن يعمل المرء بما في وسعه ويترك الأمر لربه، فلا يبني قلاع الأحلام ولا ينهار عند سوء الظن. وبهذا الاتزان يعيش القلب هادئًا، يشكر عند النعمة ويصبر عند الشدة، ويستعين بالله على أموره كلها.
وخلاصة القول أن تأويل الرؤى اجتهاد بشري ظني، يحتمل الخطأ ويختلف فيه الناس، ولا يجوز أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الأسرة. فمن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يزعجه فليدعُ ربه ويحسن به الظن. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الذي يقدّر لعباده النماء والرزق في أوقاته، فليطمئن الرائي وليستمر في سعيه بنفس راضية.
