تتكرر في أحلام بعض الناس صورة تلقي رغيف أو كيس من الخبز هدية من شخص قريب أو بعيد، فيصحو الرائي وقد علق في ذهنه ذلك المشهد البسيط. وهذه الرؤيا تثير الفضول لأن الهدية فيها ليست مجوهرات ولا مالا، وإنما شيء مألوف يوميّ يعرفه كل بيت. ومن الضروري أن نذكّر بأن الرؤى رموز لا وقائع، وأن ما يُقال في تأويلها مجرد قراءات يتفاوت فيها الناس. فلنتأملها بهدوء ودون تهويل أو توقع لأمر محدد.
الخبز في كثير من الثقافات هو العنوان الأول للقوت، والهدية منه تحمل معنى أن أحدهم يمدّ لك شيئا من حاجتك الأولى. ولهذا يرى بعضهم أن تلقيه في المنام قد يوحي بشعور الإنسان بأن هناك من يسنده أو يهتم به أو يقدّر جهده. وقد يكون الحلم انعكاسا لحاجة داخلية إلى الاحتواء والطمأنينة، خاصة بعد أيام من التعب أو القلق. وهذا لا يعني حدثا قادما، وإنما هو استنتاج نفسي ممكن.
نُسب إلى ابن سيرين أنه ربط الخبز بالمعيشة، وأن ما يأخذه الإنسان في الرؤيا من خير قد يُقرأ في إطار ما ييسر الله من أسباب الكسب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الطعام الحلال الطيب في الرؤى قد يُحمل على الخير والسلامة، مع اختلاف التفاصيل. ولا يغيب أن المفسرين اختلفوا في هذا الباب كثيرا، ولم يتفقوا على دلالة واحدة ثابتة لكل رمز. فمن قرأ هذه الأقوال فليقرأها بوصفها اجتهادات قابلة للخطأ.
يختلف المعنى حسب هوية المهدي، فالهدية من الأب أو الأم أو الصديق المقرب تحمل إيحاء الدعم، بينما الهدية من شخص لا تعرفه قد تحمل إيحاء الدهشة أو الترقب. وكذلك تفرق حال الخبز، فالرغيف الدافئ الشهي يبعث على الارتياح، والخبز المتيبس قد يوحي بأمر يحتاج إلى مراجعة. ويؤثر في الصورة شعورك لحظة الاستلام، أكان شعور شكر أم حرج أم استغراب. فهذه المشاعر هي بوصلة الفهم الأولى.
وإذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة فقد يُحمل الحلم عند بعضهم على رغبتها في الأمان العاطفي والاجتماعي، وعلى شعورها بالامتنان لمن حولها. أما المرأة المتزوجة فقد يعبّر الحلم عن حاجتها إلى من يشاركها أعباء البيت، أو عن فرحتها بكلمة طيبة من أهلها أو أهل زوجها. وقد تكون الصورة مجرد ثمرة لحديث دار في اليوم السابق. وعلى كل حال فهي صورة لطيفة لا تدعو إلى القلق.
وبالنسبة للرجل فقد يكون الحلم ترجمة لشعوره بالتقدير في عمله أو أسرته، أو لحاجته إلى سند في مرحلة مرهقة. وقد يرى بعضهم أنه يشير إلى ما قد يأتي به الله من أسباب خير عبر الناس، وهذا قول لا يلزم أحدا. وأما التاجر فقد يكون الحلم في نظره تذكيرا بأن العلاقات الطيبة رصيد لا يقل عن رأس المال. ويبقى كل ذلك ظنا يحتمل الصواب والخطأ.
وللتفاصيل أثر في الاستنارة، فنوع الخبز وشكل تقديمه ومكان استلامه كلها قد تضيف لونا للمعنى. فالخبز المُقدَّم في وعاء نظيف يوحي بالعناية، وأن يُقدَّم مع ابتسامة يوحي بالمودة، وأن يُقدَّم على عجل قد يوحي بأمر طارئ. كما أن تذوق الخبز بعد استلامه يضيف بعدا آخر، فاللذة تبعث الطمأنينة. لكن لا ينبغي أن يُرهق الرائي نفسه بتتبع كل تفصيل صغير.
ومن الزاوية العملية يمكن أن يكون الحلم دعوة لشكر من أحسنوا إلينا في الواقع، ولملاحظة ما نتلقاه من خير صغير كل يوم ولا ننتبه إليه. فالامتنان عادة تُغذّى بالتأمل، ومن تدرب عليها وجد في أيامه سعة. ويحسن أن يرد الإنسان الجميل بما يقدر عليه، ولو بكلمة دعاء أو لفتة بسيطة. وفي هذا بناء لعلاقات صادقة تدوم.
ومما يحسن التنبيه إليه أن الهدية في المنام لا تعني بالضرورة أن يقابلها شيء في الواقع، فكثير من الصور تأتي من حاجة نفسية إلى الشعور بالتقدير. وقد يرى الإنسان هذا الحلم في فترة يشعر فيها بالوحدة أو بأن جهده لا يُرى، فيأتيه المنام بصورة تعوّضه شيئا من الدفء. وهذا لا ينقص من قيمة الرؤيا، لكنه يضعها في موضعها الطبيعي من دون مبالغة. فإذا أحس الرائي بالحاجة إلى سند فليطرق أبواب الأهل والأصدقاء، وليتذكر أن الطلب الكريم لا عيب فيه.
وقد يلفت الحلم الانتباه كذلك إلى نظرة الرائي إلى النعم الصغيرة التي تمر عليه كل يوم دون أن يتوقف عندها. فرغيف الخبز على بساطته نتاج جهد كثيرين من زارع وطحّان وخبّاز وبائع، وفي تأمل ذلك ما يوسّع الشعور بالشكر. ومن اعتاد النظر إلى أيامه بعين الامتنان خفّت عنه شكوى كثيرة وتبدلت نظرته إلى ما يملك. وهذه ثمرة نفسية طيبة يمكن أن يخرج بها الإنسان من الحلم أيا كان تأويله.
وخلاصة القول إن تفسير الرؤى اجتهاد بشري ظني، لا يُعتمد عليه في القرارات الحاسمة ولا يُجعل بديلا عن الأخذ بالأسباب والاستشارة والعمل. فمن رأى خيرا فليشكر الله وليحسن الظن به، ومن رأى ما لا يرتاح له فليلجأ إلى الدعاء وليمضِ في يومه مطمئنا. والغيب مما اختص الله بعلمه، فلا يجزم أحد بما سيكون. نسأل الله أن يرزق الجميع طمأنينة القلب وسعة الحال.
