يرى بعض الناس في منامهم القمح، سنابل ذهبية تتمايل في حقل، أو حبوبًا مكدسة في مخزن، أو حفنة في اليد تنساب بين الأصابع. وهو من أقدم ما عرفه الإنسان من غذاء، ولذلك يحمل في الوجدان معنى الأصل والقوت الأول. وقد يراه الرائي لأنه مرّ بحقل أو سمع عن موسم الحصاد أو رأى كيس حبوب في بيت. وحين يستيقظ قد يتساءل عن دلالة هذا المشهد. والتفسير رمزي لا حرفي، وكل ما سيرد قراءات محتملة يُستأنس بها، ولا تُعدّ خبرًا عن الغيب.
القمح هو الحب الذي منه الطحين ثم العجين ثم الخبز، فهو أصل السلسلة وبدايتها، وفي هذا ما يجعله رمزًا لأصل القوت والخير القابل للنمو. ولذلك ربطه بعض الشارحين بالرزق الذي يُزرع ويُحصد ويُدّخر، وبالأمور التي تبدأ بذرة صغيرة ثم تكبر بالعمل والصبر. ويرى آخرون في لونه الذهبي وصلابته صورة للغنى الهادئ والثبات. وقد يعبّر الحلم عن اهتمام بالمدخرات أو الأرض أو الأصول، أو عن حنين إلى حياة قريبة من الأرض. وهذه كلها أوجه محتملة لا يتعين أحدها.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحنطة في الرؤيا تدل على المال والمعاش، وأن حسنها وجودتها يدلان على حسن ما يُرمز إليه بها، وأن الاختلاف في حالها يغير المعنى. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى ربط الحنطة بالرزق الطيب الذي يأتي بالعمل أحيانًا وبالمشقة أحيانًا. واختلف المفسرون في تفاصيل هذا الباب كثيرًا، فمنهم من جعل لها وجوهًا متعددة بحسب هيئتها وموضعها. ولذلك ينبغي أن تُنقل هذه الأقوال بتحفظ، فلا تُعدّ أحكامًا ثابتة، وإنما هي أنظار تتفاوت.
ويتغير المعنى بحسب السياق. فالقمح الأخضر في الحقل غير الحب الجاف في الكيس غير المطحون في الرحى. وإذا رأى الرائي نفسه يزرع فالأمر يتصل ببداية السعي، وإذا رآه يحصد فالأمر يتصل بالثمرة، وإذا رآه يخزّن فالأمر يتصل بالادخار. وإذا كان الحب نظيفًا فالقراءة أهدأ، وإذا كان فيه سوس أو تراب فللأمر ظلال أخرى. وإذا كان الحقل لغيره فللعلاقة أثر. وأهم ما في الأمر شعور الرائي، فمن رأى القمح بفرح غير من رآه بقلق.
وللمرأة المتزوجة قد يوحي القمح بتموين بيتها وحرصها على أسرتها، وقد يقرأه بعضهم على أنه صورة للبركة في البيت إذا كان كثيرًا نظيفًا. وللفتاة غير المتزوجة قد يُنظر إليه على أنه صورة لبذرة أمل في حياتها تنمو شيئًا فشيئًا، أو مجرد مشهد من الريف. وللحامل قد يرتبط الحلم بمعنى النماء والوعد بالمولود، وهو معنى لطيف يُؤخذ على سبيل التأمل لا الجزم. وكلها احتمالات لا تلزم أحدًا ولا يُبنى عليها حكم.
وللرجل قد يرمز القمح إلى رأس ماله أو أرضه أو مدخراته، وقد يقرأه بعضهم دعوة إلى حسن إدارة ما بيده وعدم تبديده. وللتاجر قد يشير إلى بضاعة أساسية كالحبوب أو الأغذية، فيتأمل في الأمانة في الكيل والميزان وحسن التخزين. وللمزارع قد يكون الحلم انعكاسًا لانشغاله بموسمه وهمّه. ولا يصح أن يدفع الحلم أحدًا إلى شراء أو بيع أو مضاربة، فالتجارة تُبنى على السوق والحساب لا على المنام.
ومن الدقائق التي تُلتفت إليها: درجة نضج السنابل، وكثافتها، وهل الحب ممتلئ أم ضامر، وهل الحقل أخضر أم أصفر، وهل الحصاد جارٍ أم انتهى. وهل رآه الرائي في كيس أو في مخزن أو في يده، وهل كان يتساقط منه شيء أم محفوظ. ويرى بعضهم أن السنابل الممتلئة تدل على جودة الجهد، وأن الضامرة تدل على قلة الثمرة. وهذه الدقائق تفتح باب التأمل في حال الرائي، ولا تعطي حكمًا قاطعًا، وليس لأحد أن يجزم بها.
وفي هذا الحلم جانب نفسي وأخلاقي نافع، فهو يذكّر بأن الرزق يبدأ بذرة وجهدًا ووقتًا، وأن الحصاد لا يأتي قبل أوانه. ويدعو إلى شكر نعمة الحبوب التي نتناولها كل يوم، وإلى عدم تبديد الطعام، وإلى الادخار المعتدل لأيام الحاجة، وإلى إعطاء الفقير من مال الله. وفيه كذلك تذكير بفضل المزارعين الذين يخدمون الأرض لتطعمنا، وبوجوب العناية بالأرض والمياه. وهذه المعاني تفيد الإنسان في حياته اليومية، ولا تتوقف على صحة التأويل.
ولا ينبغي أن يجعل الرائي من هذا الحلم مصدر أمل مفرط أو خوف مفرط، فالقمح مشهد معروف في ثقافتنا يتكرر في الأحاديث والصور. وقد يراه الإنسان لأنه سمع عن غلاء الأسعار أو رأى حقلًا في طريقه. وعندما يدرك الإنسان ذلك يخف عنه عناء البحث عن دلالة. والأفضل أن يأخذ من الحلم بشارة الشكر ويعود إلى حياته بهدوء، فالنفس المطمئنة خير معين على العمل والعبادة.
وخلاصة القول أن تأويل الرؤى اجتهاد بشري ظني، يحتمل الخطأ ويختلف فيه الناس، ولا يجوز أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الأسرة. فمن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يزعجه فليدعُ ربه ويحسن به الظن. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الذي يُنبت الأرزاق ويقدّرها كما يشاء، فليطمئن الرائي وليمضِ في سعيه بقلب مرتاح.
