الرؤيا لغة رمزية تعبّر بالصور عن المشاعر، ولا تُقرأ قراءة حرفية كأنها خبر عن أحد أو عن مصيره. حين يرى الرائي أخاه يبتسم له في المنام ثم يغيب عن المشهد فقد يكون ذلك تعبيرًا عن مشاعر متداخلة، من ارتياح إلى القرب ثم إحساس بأن اللقاء لم يكتمل. وقد يكون المشهد من طبيعة الأحلام التي تنتقل بين الصور دون مقدمات ولا خواتيم. ولذلك فالأنسب أن يُؤخذ الحلم بهدوء، وألا يُبنى عليه أي استنتاج عن حال الأخ. وما يأتي عرض لمعانٍ محتملة لا جزم فيها.
الأخ في الرموز يشير غالبًا إلى السند والعضد وشريك الصغر، وإلى الذاكرة المشتركة بين الإخوة. وابتسامته في المنام قد ترمز إلى مودة وطمأنينة، وغيابه بعدها قد يرمز إلى أن هذا الأنس لم يتحول بعد إلى حضور دائم في الواقع. وقد يعكس كذلك شوق الرائي إلى لقاء أطول وأقرب. وقد يمثل في بعض الصور جانبًا في نفس الرائي يظهر قليلًا ثم ينسحب. ويبقى المعنى مرنًا يتغير بتغير الصورة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأخ في المنام قد يدل على العون والعضد، وأن بشاشته قد تُحمل على صفاء الصلة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأقارب في الرؤيا تُحمل صورهم على القرابة والصلة، وأن ما يطرأ على المشهد من تبدل يُقرأ بحسب السياق. وتتباين الأقوال بين الكتب، وفي نسبة بعضها خلاف يمنع الاعتماد عليها وحدها. أما مشهد الابتسامة ثم الغياب على وجه الخصوص فهو أقل تناولًا بصورة مفصلة في الكتب القديمة، فيُترك لقراءة السياق. ولذلك فالأولى ألا يُنزَّل قول قديم على كل حالة.
للسياق أثر كبير في المعنى، فالابتسامة الدافئة غير الابتسامة الغامضة، والغياب الهادئ غير الغياب المفاجئ المربك. وما يشعر به الرائي بعد المشهد من طمأنينة أو حنين أو حيرة جزء أصيل من دلالته. كما أن ما سبق النوم من ذكر للأخ أو صورة له أو مكالمة قد يكون هو مادة الصورة. وقد يكون للإرهاق وتقطع النوم أثر في قصر المشاهد وتبدلها السريع. فلا يصح أن تُحمّل الرؤيا أكثر مما تحتمل.
قد يرتبط هذا المشهد بعلاقة طيبة بين الأخوين يعبّر عنها الحلم بابتسامة. وقد يرتبط بقلة اللقاءات التي تجعل الأنس عابرًا. وقد يرتبط بشوق إلى الأخ يتجلى في لقاء قصير لا يشبع. وقد يرتبط بانشغال الأخ أو الرائي بحياته فلا يطول بينهما الوقت. وفي كل ذلك فالحلم تعبير عن شعور، لا خبر عن واقع. ويحسن بالرائي أن يسأل نفسه عما كان يتمنى أن يقوله لأخيه.
وقد تختلف القراءة بحسب نوع الرائي؛ فإن كانت امرأة فقد يعكس المشهد حنينها إلى دفء أسرتها مع شعور بقلة اللقاء. وإن كان رجلًا فقد يرمز إلى رغبته في صلة أوثق تتجاوز مناسبات عابرة. وإن كان شابًا فقد يعكس إعجابه بأخيه وحاجته إلى قربه. وإن كان كبيرًا في السن فقد يعكس حنينًا هادئًا إلى رفقة قديمة. وهذه كلها قراءات محتملة لا تغني عن تأمل الرائي في حاله.
للتفاصيل الدقيقة أثرها، فإن كانت الابتسامة مصحوبة بإيماءة فقد تُقرأ على أنها رضا أو تحية. وإن غاب الأخ وهو يلتفت فقد يعكس رغبة في استمرار التواصل. وإن غاب بعد أن أمسك بيد الرائي فقد يدل على قرب لم يكتمل. وإن بقي أثر الابتسامة بعد الاستيقاظ فقد يعكس طمأنينة تستحق أن يُبنى عليها بالتواصل. وهذه احتمالات تُقرأ بحذر ولا تُنزَّل على الواقع.
من الزاوية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا دعوة هادئة إلى أن يحوّل الرائي هذه الابتسامة العابرة إلى صلة فعلية بمكالمة أو زيارة. والكلام الطيب مع الأخ يجدد الود ويطيل أمد الأنس. وإذا كان بينهما فتور فالأنسب أن تكون المبادرة بسيطة ولطيفة. ويفيد أن يتقبل الرائي أن الأحلام قصيرة بطبيعتها، وأن قصر المشهد لا يعني شيئًا سلبيًا. وإن كان الحنين شديدًا ومستمرًا ويؤثر في مزاجه فالكلام مع أحد الأهل أو مختص موثوق خطوة نافعة.
ومما يعين على الاستفادة من هذه الرؤيا أن يحتفظ الرائي بالشعور الطيب الذي تركته، ويجعله دافعًا للتواصل. فالابتسامة التي رآها في الحلم يمكن أن تصبح ابتسامة حقيقية في لقاء قريب. وإن تعذر اللقاء فيكفي رسالة صادقة تعبّر عن الود. ولا ينبغي أن يُبنى على الرؤيا قلق من الغياب أو خوف من شيء.
وفي الختام، فإن هذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن معرفة الرائي بحاله. وحسن الظن بالله أصل الطمأنينة، فمن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يقلقه فليدعُ بالخير. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يملك أحد أن يجزم بما سيكون. فليطمئن الرائي، وليجعل من هذه الابتسامة سببًا لصلة أدفأ.
