يرى بعض الناس أن جملاً يحملهم على ظهره، وقد يكون هو الذي برك لهم ثم رفعهم، أو يكون قد التقطهم من طريق ثم مضى بهم. وهذه الصورة تختلف قليلاً عن صورة الركوب العادي، لأن الجمل فيها هو المبادر الحامل، والرائي هو المحمول. ومن المفيد أن نذكّر بأن تفسير هذه الرؤى لا يعدو أن يكون رمزياً، فلا يُحمل على ظاهره ولا يُبنى عليه جزم. وما سنذكره هنا قراءات عامة من قبيل الاجتهاد.
والجمل في الرموز المتداولة صورة للصبر والقوة الهادئة وتحمل المسافات، وهو في الصحراء رفيق ومعين. فحين يحمل الرائي في الحلم، فقد يُقرأ ذلك رمزاً لوجود سند في حياته، سواء كان شخصاً قريباً أو عملاً ثابتاً أو ظرفاً مواتياً يرفعه في طريقه. وقد يحمل المشهد أيضاً معنى الاستسلام الواعي للمسار وقبول الاعتماد على الغير حين يلزم. وهذا معنى جميل في ذاته لأنه يذكّر بأن الإنسان لا يسير وحده دائماً.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن من رأى أنه محمول على دابة فقد يدل ذلك على من يتكفل بأمره أو يعينه في سفره أو مصلحته. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحمل على الجمل قد يرمز إلى بلوغ مقصد بمعونة آخرين. ومع ذلك فقد تباينت آراء المفسرين فيما بينهم، فمنهم من فضّل جانب الخير ومنهم من نظر في حال الرائي أولاً، ولذلك لا يصح الجزم برأي واحد.
وتتغير القراءة بتغير تفاصيل الحمل. فإن حمله الجمل بلطف وبرك له ثم نهض بهدوء، فذلك مما يُقرأ تيسيراً وصحبة طيبة. وإن حمله على عجل أو رفعه بقوة، فقد يُقرأ على أنه إحساس بأن الأمور تجري بسرعة لا يتحكم فيها. وكذلك اتجاه الجمل، فإن سار نحو مكان مضيء مألوف كان أدعى للتفاؤل، وإن سار نحو مكان مجهول فقد يوحي بحاجة الرائي إلى مزيد من التبصر.
وللرجل الذي يرى ذلك قد يكون الرمز متصلاً بمن يسانده في عمله أو أسرته، أو بفرصة تنقله من مرحلة إلى مرحلة. وقد يكون دعوة إلى أن يقدّر أهل الفضل عليه وألا ينسى من أعانه. وللتاجر قد يعبّر عن شريك أو سند مالي أو سوق مناسب يرفع أمره. وهذه كلها احتمالات عامة، ولا تنطبق على كل أحد.
وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ الحلم رمزاً لسند الأسرة والزوج والأهل، ولشعورها بأنها محمولة بالرعاية والاهتمام. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن حاجتها إلى توجيه من أهلها أو معلميها، وعن رغبتها في طريق آمن. وللحامل قد يرمز إلى شعورها بأن من حولها يحيطونها بالعناية في مرحلة تحتاج فيها إلى حمل وسند. وكل ذلك تأمل رمزي لا غير.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يلاحظ الرائي هل كان وحده على الجمل أم معه آخرون، وهل كان يمسك بالزمام أم يترك الأمر للجمل. فإن كان يترك الزمام فقد يُقرأ ذلك ثقة بمن حوله أو بمجرى الأمور، وإن كان يمسك فقد يُقرأ حرصاً وتدبراً. وأن يشعر بالراحة والأمان فهو قرينة تفاؤل، وأن يشعر بالخوف فهو قرينة قلق قد يحتاج إلى تهدئة. وهكذا لا تكتمل الدلالة إلا بمجموع التفاصيل والمشاعر.
ومن الناحية النفسية والعملية، فإن الحلم يذكّر الإنسان بأن قبول العون ليس ضعفاً، وأن الصبر والاستعانة بالآخرين من عوامل بلوغ الأهداف. ويمكن أن يكون دعوة إلى أن نشكر من يسندوننا، وأن نبادلهم الوفاء بالدعم والمشاركة. كما أنه تذكير بأن نحسن اختيار من نسير معهم ونحملهم أو يحملوننا. فإن تيسر لنا هذا التوازن خفّت علينا الرحلة وطاب لنا الصبر.
ومما يضيف إلى هذه الصورة معنى لطيفاً أن الجمل في اللغة الشعبية رفيق الدروب الطويلة ومعين أهل الترحال، فهو لا يتخلى عن صاحبه في منتصف الطريق. وحين يرى الإنسان أنه محمول على ظهره فقد يستحضر عقله الباطن حاجة قديمة إلى الاطمئنان والشعور بأن ثمة من يقوده نحو الأمان. وقد يكون هذا الحلم مرتبطاً بمرحلة مرّ بها الرائي أحس فيها بالتعب فتمنى لو وجد من يحمله عنه. وهذه المشاعر الإنسانية طبيعية، ولا تحتاج إلى تفسير معقد، بل إلى قليل من الراحة وكثير من الدعاء وحسن الظن.
ولا بأس أن يتذكر الرائي أن المنام قد يتأثر بما شاهده أو سمعه أو فكر فيه قبل النوم، من مشاهد سفر أو حكايات عن القوافل أو صور للبادية. فإذا كان الأمر كذلك فالحلم أقرب إلى بقايا الخواطر منه إلى رمز له دلالة خاصة، وفي هذا راحة لمن يبالغ في القلق. وكلما خففنا من إعطاء الأحلام أكثر مما تحتمل، عشنا بسكينة أكبر وركّزنا على ما يملكه الإنسان فعلاً من عمل وأخذ بالأسباب.
وفي الختام، فإن ما ذُكر كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس مما يُبنى عليه قرار واقعي في سفر أو مال أو علاقة. وإنما الأحرى أن يتوجه المرء إلى الله بالدعاء وأن يحسن به الظن في كل حال. فالغيب مرده إلى الله وحده، ومن توكل عليه وأخذ بالأسباب فقد سلك الطريق الأقوم.
