قد يرى الإنسان في منامه جملاً يحمل أسرة كاملة على ظهره، أباً وأماً وأطفالاً، وهم جالسون متقاربون يتهادون في الطريق. وهذه صورة دافئة لها حضور في الذاكرة الشعبية، إذ كانت الأسر قديماً تنتقل على ظهور الجمال من موطن إلى آخر. غير أن الحلم لا يُؤخذ على ظاهره، فهو لغة صور ورموز تتبدل دلالتها من إنسان إلى آخر بحسب ظروفه. وما نذكره في هذه السطور قراءات عامة اجتهادية لا يُقطع بها، وهدفها التأمل والتهدئة لا التنبؤ.
والأسرة في الرؤى رمز للرعاية والمسؤولية والانتماء، والجمل رمز للصبر وحمل الأثقال والسفر الطويل. فاجتماعهما في مشهد واحد قد يوحي بأن الرائي ينظر، في باطنه، إلى أسرته على أنها رحلة مشتركة تحتاج إلى قيادة هادئة وصبر طويل. وقد يعبّر المشهد عن شعوره بالمسؤولية تجاه أهله وعن رغبته في أن يبلغ بهم الأمان. وقد يحمل أيضاً معنى الاعتماد على سند قوي يحمل الجميع، وهو معنى يمنح الطمأنينة.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الدابة قد تدل على حال صاحبها وعلى رزقه ومعيشته، وأن حمل الأهل عليها قد يُقرأ في باب الرعاية والكفالة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الراحلة قد ترمز إلى ما يقوم به صاحبها من أمر العيال والمعاش. ومع ذلك فقد اختلف المفسرون في هذه الدلالات اختلافاً بيّناً، ولذلك يبقى الأخذ بها على سبيل الاستئناس لا التسليم.
وتتغير الدلالة بحسب هيئة الأسرة والجمل. فإن كانت الأسرة مطمئنة مبتسمة والجمل يسير بهدوء، فذلك مما يُقرأ به حسن الحال وتآلف القلوب. وإن كان بعضهم قلقاً أو مرهقاً، فقد يُقرأ ذلك على أنه انعكاس لحاجة الأسرة إلى راحة أو إلى رعاية خاصة. وعدد الراكبين ومواضعهم قد يوحي كذلك بتوزيع الأدوار بينهم، فمن جلس في المقدمة قد يوحي بالقيادة ومن جلس في الخلف قد يوحي بالسند.
وللرجل الذي يرى هذا الحلم قد يكون الأمر متصلاً بما يحمله من مسؤولية تجاه أهله وتدبير معاشهم، وهو دعوة إلى الصبر والتخطيط. وقد يكون انعكاساً لقلقه على مستقبلهم أو سفرهم أو انتقالهم. وللتاجر والمسافر قد يعبّر الحلم عن أمر البيت الذي يشغل باله وهو بعيد عنه، فيكون الشوق والحنين مصدر الصورة. وهذه قراءات عامة لا تنطبق بالضرورة على كل حالة.
وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ الحلم رمزاً لإحساسها بأن أسرتها تسير معاً في مسار واحد، وربما عبّر عن تقديرها لدورها في رعاية البيت. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن حنينها إلى أهلها أو تطلعها إلى بيت يجتمع فيه الأحبة. وللحامل قد يرمز إلى استعدادها لانضمام فرد جديد إلى الأسرة، مع شعور بأن البيت كله يحملها بالرعاية. وكل ذلك تأمل رمزي لا غير.
ومن التفاصيل الدقيقة أن ينتبه الرائي لحال الطريق أمام الأسرة، فالطريق المستوي المضيء قد يُقرأ يسراً وسلامة، والوعر المظلم قد يوحي بالحاجة إلى مزيد من الحذر والتدبير. وأن يرى بين الراكبين أحد أقاربه الراحلين أو الغائبين فقد يكون ذلك تعبيراً عن شوق وذكرى، فيستحب الدعاء لهم. وأن تكون الأمتعة قليلة أو كثيرة، فالقليلة قد توحي بالقناعة والكثيرة بالاستعداد. وإن كان فيهم طفل يلهو فذلك قد يحمل شعور الفرح والأمل.
ومن الناحية النفسية والعملية، فالحلم يدعونا إلى أن ننظر في علاقتنا بأسرتنا، وهل نخصص لهم وقتاً كافياً، وهل نحمل المسؤولية بحكمة. وهو يذكّرنا بأن الأسرة رحلة يشترك فيها الجميع، وأن القائد الجيد يستشير ويشرك من معه في الرأي. ومن المفيد أن نجلس مع أهلنا ونتحدث عن خططنا وهمومنا، فالحوار يخفف الأحمال. كما أن الرحلة الأسرية الصغيرة أو الجلسة الهادئة قد تكون أنفع من أي تفسير.
وقد يتصل هذا المشهد عند بعض الناس بذكريات الطفولة وحكايات الأجداد عن الترحال والقوافل، فيستحضرها العقل في المنام على هيئة أسرة تركب جملاً واحداً. وفي مثل هذه الحال يكون الحلم صدى للحنين والانتماء أكثر منه إشارة إلى أمر مقبل. وربما رآه من يعيش بعيداً عن أهله فاشتاق إلى اجتماعهم في مكان واحد، أو من يستعد لانتقال أو تغيير في حياة الأسرة فجسّد عقله ذلك في صورة رحلة جماعية. وإدراك هذا الأصل النفسي للحلم يُهدّئ الظنون ويعيد المسألة إلى حجمها الطبيعي.
وأخيراً فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي، كانتقال أو سفر أو شأن من شؤون الأسرة. والأجدر أن يدعو المرء لأهله بالصلاح والسلامة، وأن يحسن الظن بالله في أمرهم وأمره. فعلم ما سيكون من شؤون الغد لا يحيط به إلا الله وحده، ومن توكل عليه وأخذ بالأسباب فقد أدّى ما عليه.
