قد يستيقظ بعض الناس وقلوبهم تخفق بعد أن رأوا جملاً يخيفهم في المنام، فيظنون أن وراء ذلك أمراً سيئاً. وأول ما ينبغي أن تطمئن إليه النفس أن الخوف في الأحلام شعور شائع جداً، وأنه لا يدل بالضرورة على مكروه قادم ولا على خطر محدق. فالدماغ في النوم يستعيد المشاعر المكبوتة والأفكار المؤجلة ويلبسها صوراً مهيبة كالحيوانات الكبيرة. والتفسير في هذا الباب رمزي لا حرفي، ولا يجوز أن يُترك أثراً ثقيلاً في القلب. فلنقرأ هذه الرؤيا بهدوء وسكينة.
الجمل حيوان ضخم الحجم عالي القامة، ومن الطبيعي أن يوحي بالرهبة لمن يراه عن قرب في الحلم، خاصة إذا كان الرائي يمر بمرحلة يشعر فيها بأن أموره أكبر منه. وفي الرمزية العامة يدل الجمل على الصبر والتحمل وحمل الأثقال والسفر الطويل، فربما كان الخوف منه خوفاً من أعباء تبدو ثقيلة أو من رحلة مقبلة لم تتضح معالمها. وللجمل أيضاً جانب إيجابي في الرزق والكرم، فلا يتحتم أن يكون الخوف منه دلالة سلبية. وإنما هو انعكاس لشعور داخلي أكثر منه إشارة إلى أمر خارجي.
نُسب إلى ابن سيرين أنه ربط الجمل بالسفر والمشقة وبما يحمله الإنسان من أعباء، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يرمز إلى القوة والاحتمال. ولم يُنقل عنهم كلام قاطع في الخوف منه تحديداً، وإنما استنبط المتأخرون أن النفور من الجمل قد يُقرأ على أنه ضيق من عبء أو تهيب من أمر عظيم. وقد اختلف المفسرون في ذلك اختلافاً بيناً، فمنهم من حمل الخوف على التنبيه ومنهم من حمله على أحاديث النفس، وكلها آراء اجتهادية لا يُجزم بها.
ويتفاوت الأمر بحسب المشهد، فالخوف من جمل بعيد يقف في الأفق أخف من خوف من جمل يطارد الرائي أو يقف على بابه. والجمل الهادئ الذي يخيف بحجمه فقط يدل على رهبة داخلية أكثر مما يدل على تهديد حقيقي، والجمل الهائج قد يعكس توتراً أشد في اليقظة. ويُنظر إلى الوقت والمكان واللون، وإلى ما إذا كان الرائي قد نجا من الجمل أم استسلم له أم تغلب على خوفه. فكل ذلك يكشف شيئاً عن علاقة صاحب الرؤيا بما يخافه في حياته.
وإذا كنت ممن رأى الجمل فخاف، فتذكر أن ذلك أمر عادي يمر به كثيرون، وأن الأحلام المخيفة لا تحمل سوى ما حملته أنت إليها من توتر. وقد يكون الأمر نتيجة ضغط في العمل أو الدراسة أو العلاقات، أو شيئاً شاهدته أو قرأته، أو حتى عشاء ثقيلاً قبل النوم. وإن كنت ترى الحلم يتكرر فقد يكون تعبيراً عن مسألة مؤجلة تحتاج إلى مواجهة هادئة. وليس في ذلك شر ولا سوء، بل هو دعوة طيبة إلى الاعتناء بنفسك.
وإن رأيت أنك تغلبت على خوفك فاقتربت من الجمل أو لمسته أو ركبته، فقد يُقرأ ذلك على أنه صورة للشجاعة النفسية وتجاوز المخاوف. وإن هربت منه ثم استيقظت فلا بأس، فكثير من الناس يستيقظون عند ذروة الخوف وهذا طبيعي. وإن رأيت الجمل يتحول بهدوء إلى مشهد آمن فقد يكون في ذلك تطمين لك بأن ما يخيفك أضعف مما تظن. وكل هذه المعاني رمزية، ولا ينبغي أن تُحمَّل أكثر مما تحتمل.
ومن التفاصيل التي تعين على الطمأنينة أن تنتبه إلى ما بعد الحلم، فهل شعرت براحة حين استيقظت أم بقي الخوف يلازمك. فإن بقي فاجلس في مكان هادئ واشرب ماء وتنفس بعمق، وتذكر أن ما رأيته مجرد صورة في نوم. وتجنب أن تحكي الحلم مراراً بتفصيل مخيف لمن حولك، لأن ذلك يزيد التعلق به. والأفضل أن تحوله في ذهنك إلى مشهد عادي من مشاهد الليل، ثم تعود إلى يومك مطمئناً.
وفي الجانب النفسي العملي، يمكنك أن تسأل نفسك بلطف ما الذي يشعرني بأنه ثقيل وكبير في هذه الأيام، ثم تقسمه إلى خطوات صغيرة تقدر عليها. فكما يُقطع الطريق الطويل بخطوات متتابعة، تُقطع الصعاب بالصبر والتدرج. ولا تتردد في الحديث مع شخص تثق به، فالمخاوف تصغر حين تُقال. واهتم بنومك وغذائك وحركتك اليومية، فهي من أقوى ما يهدئ الأحلام ويخفف القلق.
ومن المفيد أن يعلم من يخاف الحيوانات الكبيرة في المنام أن هذا الخوف كثيراً ما يكون موروثاً من تجارب الطفولة أو من مشهد قديم ترك أثراً في الذاكرة. وليس في الجمل نفسه شيء مخيف، فهو في طبعه كائن هادئ وصبور يألف من يحسن إليه. فإذا أردت أن تخفف وقع الحلم فتخيل في يقظتك جملاً وديعاً يمشي بعيداً عنك على مهل وأنت تراقبه مطمئناً. وهذه الحيلة النفسية البسيطة تعيد إلى الصورة هدوءها، وتعلم القلب أن ما يبدو كبيراً قد يكون في حقيقته مسالماً.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، ولا ينبغي أن يُبنى عليه خوف أو قرار في أي شأن حقيقي من شؤون الحياة. وأحسن ما يُقابل به المرء مثل هذه الرؤى هو الدعاء وحسن الظن بالله وذكره، فبذكره تطمئن القلوب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو أرحم بنا من أنفسنا، فاطمئن ولا تحمل همّاً لما لا تعلم.
