ربما كان من أغرب ما يراه النائم أن يشاهد جملاً يحلق في السماء، وهو الحيوان الثقيل الذي لا يفارق الأرض. وهذه الصورة الخيالية تثير الدهشة وربما الابتسام حين يتذكرها الرائي بعد الاستيقاظ. وهي من الأحلام الرمزية الخالصة التي لا يصح أن تُحمل على ظاهرها بحال. فالتفسير هنا يعتمد على التأمل في المفارقة بين ثقل الجمل وخفة الطيران، وكل ما يُذكر قراءات محتملة قد تصيب وقد تخطئ ولا تُعدّ خبراً عن واقع.
الجمل في الرمزية العامة صورة للصبر والتحمل وحمل الأثقال والسفر الطويل، والطيران في الأحلام يرتبط عادة بالتحرر والارتفاع والطموح أو بالهروب من القيود. فاجتماع الجمل بالطيران قد يُقرأ على أن ما كان ثقيلاً صار خفيفاً، أو أن الأعباء الكبيرة ترتفع عن صاحبها، أو أن في النفس شوقاً إلى أن تخف عنها الأحمال. وقد يكون كذلك تعبيراً عن طموح كبير يبدو مستحيلاً في عيني صاحبه، لكنه يتحقق في عالم الخيال. وكل ذلك تقريب رمزي.
نُسب إلى ابن سيرين أنه ربط الجمل بالسفر والمشقة وحمل الأعباء، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يرمز إلى القوة والاحتمال والمال بعد صبر. وأما الطيران في المنام فقد ذكر المفسرون فيه معاني تتعلق بالسفر أو الارتفاع أو الانتقال بحسب الحال، واختلفوا اختلافاً كبيراً في ذلك. ولم يُنقل نص عن هؤلاء في جمل يطير على التحديد، ومن ادعى ذلك فقد تكلف. وإنما هو اجتهاد يجمع بين رمزين ويحاول أن يستخلص من اجتماعهما معنى مقارباً.
وتتفاوت القراءة بحسب مشهد الطيران، فإن كان الجمل يحلق بهدوء وثبات فقد يوحي ذلك بسكينة وسهولة في أمر كان يظنه عسيراً. وإن كان يطير بعنف أو يترنح فقد يعكس قلقاً من أمور غير مستقرة. وإن كان يطير فوق صحراء أو مدينة أو بحر فلكل مكان دلالته المقاربة، فالصحراء قد توحي بالامتداد والانفراد، والمدينة بالانشغال، والبحر بالاتساع. ويُنظر إلى شعور الرائي، أكان منبهراً مطمئناً أم خائفاً من السقوط.
وإن رأى الرائي نفسه راكباً على الجمل الطائر فقد يُقرأ ذلك على أنه شعور بالقدرة على تجاوز عقبات كبيرة، أو رغبة في السيطرة على أعباء حياته بخفة ويسر. وإن كان يراقبه من الأرض فقد يعكس إعجاباً بمن يتجاوز ما لا يستطيع هو تجاوزه، أو حلماً مؤجلاً ينتظر أوانه. وإن رآه يسقط فقد يعبر عن خوف من أن يخيب طموح كبير، وهو خوف طبيعي لا يعني فشلاً. وكل هذه الاحتمالات في إطار التأمل الشخصي.
وقد يأتي هذا الحلم عند من أرهقته مسؤوليات متراكمة فصار يتمنى خفتها، أو عند من يخطط لخطوة جريئة ويتردد فيها. وقد يأتي كذلك عند من شاهد مقطعاً مصوراً أو رسماً أو حكاية خيالية قبل نومه. ولا يعني شيء من ذلك أن حدثاً خارقاً سيقع في حياته، فالعقل في المنام يحب الجمع بين العناصر المتباعدة ويخرج منها بمشاهد طريفة. والاستمتاع بها كما هي أحياناً أولى من تحميلها أكثر مما تحتمل.
ومن التفاصيل التي تثري القراءة أن يُنظر إلى لون السماء وحال الجو، وإلى وجود أناس تحت الجمل يشاهدونه أو غيابهم، وإلى كون الجمل يحمل شيئاً أو يطير خفيفاً. فالسماء الصافية قد توحي بوضوح الأفق، والغيوم بغموض، والحمل الثقيل الذي يطير به قد يشير إلى أن الأعباء لا تمنع الارتقاء. والمشهد الجماعي قد يشير إلى أمر يتعلق بالناس من حولك، والانفراد إلى أمر شخصي. وكلها أدوات تأمل لا أكثر.
وفي الجانب العملي والنفسي، يمكن أن يكون الحلم تذكيراً بأن الإنسان قادر على التخفف من بعض أثقاله بتنظيم أولوياته وتفويض بعض المهام. وأن الطموح الكبير يتحقق بخطوات ثابتة على الأرض لا بالقفز في الهواء، فالجمل لا يطير في الواقع ولكنه يصل بالصبر. فليكن الحلم دافعاً إلى وضع هدف واضح وخطة متدرجة، وإلى الاستعانة بمن حولنا. وإن كان في الحلم فرح فلنحمد الله عليه ولنأخذ منه الأمل.
ويحسن أن نذكر أن أحلام الطيران عموماً شائعة بين الناس في مختلف الأعمار، وأن كثيراً من الباحثين في النفس يربطونها بالإحساس بالحرية أو بالسيطرة على الأمور، من غير أن يجزموا بذلك. فإذا اجتمع الطيران مع حيوان ثقيل كالجمل صار المشهد مفارقة طريفة تثير التأمل. وقد يكون في الابتسامة التي ترتسم على وجه الرائي حين يتذكره أصدق تفسير، فبعض الأحلام لا تهدف إلا إلى إدخال شيء من المرح والدهشة على النفس، وهذا بحد ذاته معنى لطيف يستحق الشكر.
وفي الختام، فإن كل ما قيل اجتهاد بشري ظني، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار في عمل أو سفر أو استثمار أو أي أمر حقيقي. والأولى بمن رأى هذا الحلم أن يقابله بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يسعى بما يملك من أسباب مشروعة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو أعلم بما يرفعنا وما يصلحنا.
