قد يرى المرء في منامه جملاً يُقدَّم لضيوف في وليمة، أو يرى مجلساً عامراً بالناس وإلى جانبه جمال تُسقى وتُطعم، فيستيقظ وفي نفسه إحساس دافئ بالكرم. وهذه الرؤيا مرتبطة بصورة عربية قديمة، إذ كان الجمل من أعز ما يُقدَّم للضيف تقديراً له. ومن الواجب أن يُفهم أن التفسير رمزي لا حرفي، فلا يعني الحلم أن ضيوفاً سيأتون أو أن وليمة ستقام. وكل ما يُقال قراءات محتملة قد تصيب وقد تخطئ، وتبقى في دائرة التأمل.
الجمل في الرمزية العامة يدل على الصبر والتحمل وحمل الأثقال، وله كذلك صلة وثيقة بالكرم والعطاء في حياة أهل الصحراء، حيث كانت الضيافة قيمة عليا. فاجتماع الجمل مع الضيافة في المنام قد يُقرأ على أن الرائي يميل إلى السخاء أو يشتاق إلى مجلس عامر بالأحباب، أو أنه يفكر في استقبال ضيوف أو في مناسبة اجتماعية. وقد يرمز كذلك إلى رغبته في أن يُكرَم هو ويُقدَّر. وهي معانٍ إنسانية دافئة تتوقف على حال كل رائٍ.
نُسب إلى ابن سيرين أنه ربط الجمل بالسفر والمشقة وما يتحمله المرء من أعباء، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يرمز إلى القوة والاحتمال وإلى مال يأتي بعد صبر. وذكر بعض المفسرين أن المشاهد المتعلقة بالوليمة والطعام قد تُقرأ على اجتماع الناس أو كرم أو فرح بحسب الحال. وقد اختلفوا في ذلك اختلافاً كبيراً، ولم يجعلوه قاعدة ثابتة. فكل هذا اجتهاد يُستأنس به ولا يُعتمد عليه في أمر مهم.
وللتفاصيل أثر في المعنى، فإن كان المجلس عامراً بالبشاشة والحديث الطيب فقد يُقرأ ذلك على أن الرائي يتطلع إلى لمّة صافية، وإن كان الجمع متوتراً فقد يعكس قلقاً من علاقات اجتماعية أو من مناسبة قادمة. ويُنظر إلى هيئة الجمل، أسليم هو أم مريض، وإلى طريقة تقديمه، وإلى وجود أناس تعرفهم أو غرباء. ويُنظر كذلك إلى المكان، أخيمة أم دار أم ساحة، وإلى شعور الرائي، أكان مضيفاً أم ضيفاً. فلكل موقع من المشهد وقعه في المعنى.
وإن رأى الرائي نفسه مضيفاً يكرم القوم فقد يُقرأ ذلك على ميله إلى العطاء والاهتمام بمن حوله، أو رغبته في أن يكون سنداً لأهله وأصحابه. وإن رأى نفسه ضيفاً مكرماً فقد يعكس حاجته إلى الاعتراف بجهده، أو شوقه إلى أن يُحتفى به. وإن رأى جمالاً تُسقى الضيوف لبناً فقد يوحي بخير يعم الجماعة، وإن رأى الضيافة تنقص عن القوم فقد يعبر عن قلق من التقصير. وكل ذلك قراءة رمزية لا أكثر.
وقد يرى بعض الناس هذا الحلم في أيام العزائم والمواسم أو بعد حديث عن وليمة أو سفر إلى الريف، فيكون صدى لما سمعوه. وقد يراه من يعيش بعيداً عن أهله ويشتاق إلى مجالسهم. وليس في الحلم ما يستدعي قلقاً أو توقعاً، بل هو في الغالب مشهد لطيف يذكر بقيم جميلة. ويمكن أن يكون مناسبة للتواصل مع الأقارب والأصدقاء وصلة الرحم وزيارة من انقطعت زيارتهم، وهو أمر محمود في كل حال.
ومن الدقائق أن يُنظر إلى نوع الطعام والضيافة المصاحبة، وإلى جودة المكان ونظافته، وإلى ما إذا كان الرائي مرتاحاً أم مرهقاً بخدمة الضيوف. فالمرتاح قد يعكس رضا عن دوره الاجتماعي، والمرهق قد يعكس شعوراً بكثرة الالتزامات تجاه الآخرين. وإن كان في المشهد أطفال يلعبون وحديث يملأ المكان فقد يوحي بأنس عائلي. وإن كان صامتاً خالياً فقد يوحي بشوق إلى الناس. وهذه الدلالات من باب التأمل في أحوال النفس.
وفي الجانب النفسي، فإن الكرم الحقيقي لا يعني تحمل ما لا يطاق إرضاءً للناس، بل هو عطاء متزن يراعي طاقة المرء وظروفه. وكما أن الجمل يعطي من قوته وسنامه لكنه لا يستنزف نفسه بلا حساب، ينبغي للإنسان أن يوازن بين عطائه وراحته. ويمكن أن يستفيد الرائي من الحلم بأن يخطط للمناسبات الاجتماعية بهدوء، ويدعو من يحب بحب، ولا يتكلف ما يرهقه. فبساطة الضيافة مع صدق القلب خير من تكلف يبعث الضيق.
ولعل في هذا الحلم تذكيراً لطيفاً بقيمة الاجتماع والتواصل بين الناس في زمن كثر فيه الانشغال. فمائدة عامرة بالأحبة وحديث دافئ قد يخففان من هموم الأيام أكثر مما تخففها الأسباب المادية. وإن كان الرائي قد قصّر في زيارة أحد فليتصل به، وإن كان يشعر بوحدة فليبادر إلى دعوة صديق. وفي هذه الخطوات البسيطة عمران للقلوب. فلنأخذ من الحلم لطفه وجماله، ولنترجمه عملاً طيباً في يقظتنا.
وفي الختام، فإن كل ما قيل اجتهاد بشري ظني، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار في إنفاق أو دعوة أو سفر أو شأن مالي. والأولى بمن رأى هذا الحلم أن يقابله بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يسأل الله البركة في الأهل والرزق. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الكريم الذي يجازي بالإحسان.
