قد يرى الإنسان في منامه أنه يهدي جملاً لأحد من أهله أو أصدقائه، فيسلمه إياه بابتسامة أو في حفل بسيط. وهذه الصورة تبعث في النفس بهجة وشعوراً بالكرم، وكثيراً ما يستيقظ صاحبها وهو يتأمل ما رأى. ومع ذلك فالمنام لغة رموز لا حقائق، ولا تُحمل صوره على ظاهرها ولا تُعدّ وعداً أو نبوءة. وما سنذكره هنا قراءات عامة اجتهادية، غايتها التأمل الهادئ والتفاؤل المعتدل، وليس فيها قرار يُتخذ في اليقظة.
والجمل في الرموز المتداولة يدل على الصبر والقوة والرزق والسفر الطويل والأحمال، وهو في الثقافة الشعبية من أثمن ما يملك الإنسان. فإذا رُئي في صورة ما يُهدى فقد يُقرأ ذلك رمزاً لبذل شيء ثمين من الوقت أو الجهد أو الخبرة أو المال لمن نحب. وقد يوحي بوفاء ومودة أو برغبة في تقوية علاقة، أو بتقدير لمن أسدى معروفاً. وفي هذا المعنى معنى جميل من الكرم الذي يُرجى أن يبقى في القلب.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الهدية في المنام قد تُقرأ بحسب نوعها وصاحبها، وأنها قد تدل على مودة أو منفعة تُتبادل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يُهدى من الدواب قد يُفسَّر بعون يُقدَّم أو معروف يُصنع. وقد اختلف المفسرون في هذه الدلالات، ولذلك فهي اجتهادات قابلة للخطأ لا يُقطع بها، وتُؤخذ على سبيل الاستئناس والتأمل.
وتتغير القراءة بتغير تفاصيل المشهد. فإن كان المهدى إليه سعيداً شاكراً، فذلك مما يُقرأ على أنه وصل وعاقبة حسنة للعلاقة. وإن كان متردداً أو رافضاً، فقد يوحي بضرورة مراعاة مشاعره وحسن اختيار الوقت. وإن كان الجمل مزيناً فقد يعبّر عن الاحتفاء والتقدير، وإن كان عارياً فقد يعبّر عن البساطة. ومن هو المهدى إليه، من الأهل أم الأصدقاء أم الغرباء، قد يشير إلى الدائرة التي يتصل بها الحلم.
وللرجل الذي يرى هذا الحلم قد يكون الرمز متصلاً بمعروف يريد أن يقدمه أو علاقة يسعى إلى توطيدها أو شكر لمن أحسن إليه. وهو دعوة إلى أن يبذل الخير بنية صافية. وللتاجر قد يعبّر عن عرض سخي لعميل أو شريك أو رغبة في كسب ودّ. وللمسافر قد يعكس حنيناً إلى من يحب وتفكيراً في هدية لهم. وكل ذلك قراءات عامة لا تُلزم أحداً.
وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ الحلم رمزاً لسخاء في بيتها ورغبة في إسعاد أهلها، أو لتقدير تجاه من يعينها. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن عاطفة طيبة أو وفاء لصديقة أو قريب، أو رغبة في صلة الرحم. وللحامل قد يكون انعكاساً لمشاعر العطاء والاستعداد لاستقبال المولود وتبادل التهاني. وكل ذلك احتمال لطيف لا جزم فيه، ولا يرتبط بأمر محدد.
ومن التفاصيل الدقيقة أن ينظر الرائي إلى حال الجمل المهدى، فإن كان قوياً معافى فذلك قد يوحي بجودة ما يقدمه من عطاء، وإن كان ضعيفاً فقد يوحي بأن العطاء قد يحتاج إلى مزيد من العناية. وأن يكون الإهداء علنياً أو سراً، فالعلني قد يرتبط بالاحتفال والسر بالإخلاص. وأن يكون مع الجمل حبل أو زينة فقد يعبّر عن اهتمام بالتفاصيل. وأن ينتهي المشهد بمصافحة أو معانقة فذلك مما يُستأنس به لمعاني الألفة.
وقد يكون الأصل النفسي لهذا الحلم واضحاً عند من يفكر في إهداء أو يستعد لمناسبة أو يحمل في قلبه امتناناً لأحد، فيجسّد العقل هذا الشعور في صورة هدية كبيرة. وقد يتأثر الحلم بمشاهدة حفل تكريم أو حديث عن الكرم. وفي هذه الحال لا يكون له دلالة غيبية، بل هو انعكاس طبيعي لحب الإنسان للعطاء. وإدراك ذلك يبعث على الطمأنينة ويدعو إلى ترجمة الشعور إلى فعل بسيط في الواقع.
ومن الناحية العملية، فالحلم يدعونا إلى أن نتذكر أن أجمل الهدايا ما كان مقروناً بنية صادقة وتوقيت مناسب، وأن الهدية لا تُقاس بثمنها وإنما بأثرها. ويحسن أن نقدّم لمن حولنا ما يناسب حالهم وحالنا، وألا نتكلف ما يثقلنا. ومن المفيد أن نتفقد من نحب بكلمة طيبة أو زيارة قصيرة أو دعاء، فهذه من أنفع الهدايا وأيسرها. وبهذا تدوم الألفة وتتسع المودة.
ولعل من الجميل أن نتأمل أن العطاء الحقيقي لا ينتظر مقابلاً، وأن من أهدى لوجه الخير وجد في قلبه سكينة قبل أن يجد شكراً. فإذا خرج الرائي من حلمه بهذه الروح فقد استفاد منه أكثر مما يستفيد من تفسير محدد. وهذه معانٍ تأملية عامة لا ترتبط بحدث بعينه، بل هي دعوة لطيفة إلى أن نكون أرحب صدراً وأسخى يداً مما كنا.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو إهداء أو علاقة. والأولى أن نلجأ إلى الله بالدعاء وأن نحسن به الظن ونشكره على نعمه. وعلم ما سيحدث غداً عند الله وحده، ومن أخذ بالأسباب وتوكل عليه عاش في طمأنينة.
