رؤية جمل في الصحراء هي الصورة الأقرب إلى الذهن حين يُذكر الجمل، فهو سيد هذه الفيافي وصاحب الإيقاع الذي يتناغم مع رمالها وكثبانها. وقد يراه الحالم يسير بين الكثبان أو يقف عند سراب أو يبدو صغيراً في أفق ممتد. والصحراء في الأحلام بحد ذاتها مكان واسع يوحي بالامتداد والوحدة والتأمل. ونذكّر بأن تفسير الأحلام قراءة رمزية تقريبية، وأن الجمل في الصحراء في المنام ليس سفراً قادماً ولا حدثاً بعينه، بل هو صورة تحتمل معاني الصبر والاتساع.
الصحراء رمز للاتساع والتجرد من الزوائد، وللاختبار الذي يكشف قدرة الإنسان على الصبر، والجمل هو رفيق الصحراء الأمين الذي خُلق ليتحملها. ولذلك قد يرى بعض من يقرأ الرموز في هذه الصورة معنى مرحلة طويلة تحتاج إلى تأنٍّ، أو معنى فترة تأمل وانفراد بالنفس، أو إحساساً بأن الحالم في بيئته الطبيعية التي يتقنها. وقد تعبّر عن فراغ يملؤه الصبر، أو عن بعد عن الزحام، أو عن حنين إلى بساطة الأيام. وهي صورة تجمع بين الصفاء والصعوبة معاً.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن البادية والصحراء في الرؤيا قد تدل على السفر والخلاء أو على حال من العزلة بحسب القرائن، وأن الجمل قد يدل على التحمل والرفقة في السفر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى ما يقارب ذلك في باب الأسفار، فيُفهم عند من قال بذلك أن الجمل في الصحراء إشارة إلى سفر يُعين عليه الصبر. وقد اختلف المفسرون في تفصيل هذه الدلالات، ولم يجمعوا على قول، فنذكرها على سبيل الاستئناس، ونعدها اجتهادات.
يتغير المعنى بتغير حال الصحراء وحال الجمل، فالصحراء الذهبية الهادئة عند الغروب تعطي إحساساً بالسكينة، والعاصفة الرملية الهائجة قد تعطي إحساساً بالاضطراب. والجمل الذي يسير في ظل مطمئن غير الجمل الذي يتخبط في حر شديد. ويؤثر وجود الماء أو النخيل أو الطريق الواضح في الأفق، فهي علامات أمل. وشعور الحالم، هل كان مستأنساً بالمكان أم ضائعاً فيه، هو القرينة الأوضح في ترجيح المعنى.
وللرجل قد تعكس الرؤيا مرحلة من حياته يشعر فيها بالوحدة أو بالحاجة إلى التأمل، أو تفكيراً في رحلة أو عمل طويل النفس. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن لحظات انفراد بنفسها وسط مسؤوليات كثيرة، وعن حاجتها إلى مساحة هادئة. وللفتاة غير المتزوجة قد تدل على مرحلة بحث عن النفس والاتجاه، وصبر على انتظار. وللحامل قد تكون صدى لإحساس بالانفراد بتجربة فريدة وحاجة إلى دعم. وكلها ظنون للتأمل لا للقطع.
وللتاجر قد توحي الصورة بتجارة طويلة المدى أو بأسواق بعيدة، وبأن النجاح فيها يحتاج إلى نَفَس طويل وتخطيط جيد للمؤونة. وللمسافر قد توحي برحلة عبر مساحات واسعة أو بالانتظار الطويل في مكان قليل الموارد. ولا يعني ذلك أن شيئاً من هذا سيحدث، فالأمور بيد الله، وإنما هو تعبير يقارب ما يشغل الذهن. ويحسن بمن يسافر فعلاً في الصحراء أن يتزود بالماء ويخبر أهله بوجهته، وهذا أنفع من أي تفسير.
ومن التفاصيل التي ينبغي أن ينتبه لها الحالم: هل كان الجمل وحده في الصحراء أم مع قافلة؟ هل كان له أثر في الرمل؟ هل كان في الأفق ماء أو سراب؟ هل كان الوقت نهاراً أم ليلاً؟ فالوحدة قد توحي بانفراد، والأثر قد يوحي بمسير لا يُمحى، والسراب قد يوحي بأمل لم يتحقق بعد، والليل قد يوحي بهدوء وتأمل. وكل جزئية منها تضيف لوناً إلى القراءة.
وعلى الصعيد النفسي العملي، قد يكون الحلم دعوة إلى الاستفادة من فترات الصحراء في حياتنا، أي لحظات الفراغ والهدوء التي نتهرب منها عادة. ففي هذه الفترات يمكن أن نراجع أنفسنا ونعيد ترتيب أولوياتنا، كما يفعل الجمل حين يقطع المسافات الطويلة بتأنٍّ. ويمكن أن يسأل المرء نفسه ما الأمر الذي يحتاج إلى تأمل هادئ، وهل يعطي نفسه وقتاً للصمت. والصبر على الخلاء قد يثمر وضوحاً لا يثمره الزحام.
وقد يكون الحلم مجرد صدى لمشهد رآه الإنسان في فيلم أو صورة أو رحلة، فاستعاده العقل بلا رسالة خاصة. وهذا احتمال وجيه جداً، إذ يمتلئ الذهن بصور الصحراء والجمال من الإعلام والذكريات. ولذلك لا ينبغي أن يُحمّل الإنسان نفسه عناء تأويل كل ما يراه.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار في سفر أو عمل أو ارتباط. والغيب أمره إلى الله وحده، ولا تكشفه رموز المنام. فليقابل الرائي رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليأخذ بأسباب السلامة في أموره. ومن أحسن الظن بربه، أنس بالخلوة، وسكنت نفسه في الزحام.
