قد يسمع النائم في منامه صوت جمل، نداءً طويلاً أجشّ يتردد في الفضاء، أو همهمة خافتة، أو رغاءً يصدر من حيوان قريب أو بعيد. وللصوت في الأحلام وقع خاص، لأنه يوقظ الانتباه ويترك أثراً قد يبقى في السمع حتى بعد الاستيقاظ. وقد يتساءل الحالم عما كان الجمل يريد قوله. ونذكّر بأن تفسير الأحلام قراءة رمزية تقريبية، وأن صوت الجمل في المنام ليس رسالة حرفية ولا نذيراً بحدث، بل صورة تعبّر عن معاني النداء والتنبيه والتواصل.
الصوت في الأصل وسيلة للتواصل، والجمل يصدر أصواتاً لينادي صغيره أو يعبّر عن حاجته أو انفعاله أو ليتواصل مع قطيعه. ولذلك قد يرى بعض من يقرأ الرموز في هذه الصورة معنى نداء داخلياً يلفت الحالم إلى أمر أهمله، أو إشارة إلى حاجة لم تُلبَّ، أو تنبيهاً لطيفاً إلى شيء قريب. وقد تعبّر أيضاً عن رغبة في أن يُسمع صوت الحالم نفسه بين من حوله. والصوت الأجش الطويل المميز للجمل يعطي الصورة طابع البعد والاتساع، وكأنه ينادي من أطراف الصحراء.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الأصوات في الرؤيا قد تدل على خبر يُسمع أو كلام يُقال، بحسب نوع الصوت وطبيعته. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن سلوك الجمل يُقرأ بحسب حاله، فقد يُفهم عند من قال بذلك أن صوته إشارة إلى خبر يتصل بسفر أو بأمر ثقيل. وقد اختلف المفسرون في تفاصيل ذلك اختلافاً بيّناً، ولم يتفقوا على قول جامع، ومنهم من رأى أن الأصوات في الأحلام أقرب إلى حديث النفس منها إلى الدلالة. فنذكر ما قيل على سبيل الاستئناس.
يتغير المعنى بحسب طبيعة الصوت وظروفه، فالنداء الهادئ المتقطع قد يوحي بتواصل لطيف أو حنين، والزمجرة العالية قد توحي بانفعال أو تنبيه حاد. ويؤثر ما إذا كان الصوت قريباً أم بعيداً، فالقريب يوحي بأمر يخص الحالم مباشرة، والبعيد يوحي بأمر لم يصل إليه بعد. ويؤثر الوقت، فنداء الفجر غير نداء الليل. وإحساس الحالم تجاه الصوت، أهو مطمئن أم مزعج أم غامض، هو أقوى ما يُسترشد به.
وللرجل قد تعكس الرؤيا ترقباً لخبر في عمله أو أسرته، أو شعوره بأن أمراً ما ينادي انتباهه ويحتاج إلى قرار. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن رغبتها في أن يُسمع صوتها داخل البيت، أو عن نداء داخلي إلى الاهتمام بنفسها. وللفتاة غير المتزوجة قد تدل على نداء أمنية لم تتحقق أو على رغبتها في أن تُسمع في مجال دراسة أو عمل. وللحامل قد تكون صدى لإحساس مضاعف بما يدور في جسمها وبيئتها. وكلها احتمالات للتأمل لا للجزم.
وللتاجر قد يوحي الصوت بنداء السوق أو بخبر عن تجارة يتوقعه، أو بتنبيه إلى أمر تغافل عنه في حساباته. وللمسافر قد يوحي بنداء الرحلة نفسها، أو بحنين إلى وطن أو أهل، أو بتنبيه إلى الاستعداد. ولا يعني ذلك أن خبراً بعينه سيصل، فالأمور بيد الله، وإنما هي صور تعبّر عن مشاعر مألوفة عند أصحابها. ويكفي كل منهما أن يراجع استعداده الفعلي بهدوء ويتأكد من أوراقه وحساباته.
ومن الدقائق التي تُحسن ملاحظتها: هل كان الصوت يتكرر؟ هل كان يتغير؟ هل كان يشبه نداءً لشيء معين؟ هل أجابه جمل آخر أو صغير؟ هل خفّ الصوت عندما اقترب الحالم؟ فالتكرار قد يوحي بإلحاح، والجواب من جمل آخر قد يوحي بتواصل مشترك، وخفوت الصوت عند الاقتراب قد يوحي بأن مواجهة الأمر تخفف قلقه. وهذه الدقائق ينبغي أن تُقرأ في ضوء حياة صاحبها.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد يكون الحلم دعوة إلى الإصغاء لما يناديه من داخله، وللحاجات التي لم يلتفت إليها منذ زمن. وكثير من الناس يتجاهلون إشارات التعب والحاجة إلى الراحة أو إلى تغيير، حتى تظهر في أحلامهم أصواتاً وصوراً. ويمكن أن يسأل المرء نفسه ما الذي يناديه ولم يجب عنه بعد، وهل هناك محادثة مؤجلة مع أحد من أهله أو أصدقائه. والإصغاء الهادئ للنفس والآخرين من أسباب الاتزان.
وقد يكون الصوت في الحلم انعكاساً لسماع حقيقي أثناء النوم، كصوت من خارج النافذة أو من التلفاز، فيدمجه العقل في مشهد جمل. وهذا من أكثر الاحتمالات شيوعاً، فالدماغ يحوّل المنبهات الخارجية إلى مشاهد داخلية. ولذلك فإن الأنسب ألا يبالغ الحالم في البحث عن معنى عميق لكل صوت يسمعه في نومه.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يُبنى عليه توقع خبر ولا قرار في سفر أو تجارة أو غير ذلك. والغيب أمره إلى الله وحده، وليس في صوت يُسمع في المنام ما يكشف المقدور. فليقابل الرائي رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليواصل يومه بنفس مطمئنة. ومن أحسن الظن بربه، لم يُقلقه صوت ولم يُخفه ظلّ.
