يرى كثير من الرجال الجمل في منامهم، فيستيقظون وهم يتساءلون عن علاقة هذا الحيوان المهيب بما يمرون به من أيام. وهذه الرؤيا معروفة في كتب التعبير ومجالس الناس، وتأتي بصور شتى، فتارة يمتطي الرجل الجمل وتارة يقوده وتارة يكتفي بالنظر إليه. والواجب أن ننتبه إلى أن التفسير هنا رمزي ولا يجوز أخذه على ظاهره، فلا يعني الحلم بالضرورة سفراً أو مالاً أو شدة. وهو في أحسن أحواله قراءة محتملة لما قد يعكسه الجمل من معان.
الجمل في رمزيته العامة صورة للصبر وطول المسير وتحمل الظروف القاسية، فهو يعبر الصحارى بحمولته ولا يشكو، ويحتمل العطش والجوع مدة طويلة. وهو كذلك رمز للتجارة والقوافل والتنقل، وللكرم والضيافة المرتبطين بحياة البادية. وفيه جانب آخر يتمثل في قوة قد تصبح عناداً إن لم تُوجَّه بحكمة. ومن ثم فإن الرجل الذي يراه يمكن أن يستحضر معاني المسؤولية والعمل والمثابرة، مع الانتباه إلى أن للمعنى وجوهاً متعددة.
نُسب إلى ابن سيرين أنه جعل الجمل دليلاً على السفر وتحمل المشقة، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجمل قد يدل على رجل شديد الاحتمال، أو على مال يُكتسب بعد عناء. ومن المفسرين من رأى أن ركوب الجمل بيسر علامة تحقق حاجة بعد صبر، وأن الجمل الهائج علامة تعب وهمّ. وقد اختلف المفسرون في هذه التفاصيل اختلافاً واضحاً، فليس لأحد منها قاعدة مطردة، وإنما هي اجتهادات تُروى ويُستأنس بها فحسب.
وللسياق دور كبير في تحديد الدلالة، فالجمل الأبيض أو الفاتح قد يُقرأ عند بعضهم أخف وقعاً من الداكن، والكبير قد يوحي بعظم الأمر وصغره بقلة شأنه. وهدوء الجمل أو هياجه يغير الصورة كلياً، وكذلك المكان الذي يظهر فيه، أصحراء مفتوحة هو أم سوق أم طريق مألوف. ولا ننسى شعور الرائي نفسه، فمن رآه بطمأنينة غير من رآه بقلق، لأن الأحلام كثيراً ما تحمل ظلال المشاعر أكثر مما تحمل الأخبار.
أما الرجل عموماً، فإذا رأى نفسه يركب جملاً ويسير به بثبات فقد يُقرأ ذلك على أنه قدرة على تحمل مسؤولياته وإدارة شؤونه، وإن رآه يحمل متاعه فقد يُفهم منه سعي في الرزق يثمر بعد وقت. وإن رأى جملاً هادئاً بجواره يتأمله فقد يكون ذلك إشارة إلى مرحلة هدوء وتأمل في أمور العمل والأسرة. وهذه كلها احتمالات رمزية لا ترقى إلى أخبار محققة، وللرائي أن يقدّر ما يناسب حاله منها.
وإن رأى الرجل الجمل ينفر منه أو يرفض الحركة، فقد يُقرأ ذلك على أنه تعبير عن أمر يجد صعوبة في تحريكه في يقظته، كمشروع متعثر أو علاقة متوترة أو قرار مؤجل. وقد يرمز إلى ثقل مسؤوليات متراكمة لا يجد لها متنفساً. وليس هذا بالضرورة نذير سوء، بل قد يكون دعوة هادئة إلى مراجعة النفس وترتيب الأولويات. فالمشاهد المزعجة في الأحلام كثيراً ما تكون مجرد انعكاس لأعباء الأيام.
وتزداد دقة القراءة بالنظر إلى التفاصيل الصغيرة، فهل كان الجمل منفرداً أم ضمن قافلة، وهل كان مربوطاً أم طليقاً، وهل في يد الرجل حبل أم لا. فالجمل المربوط قد يوحي بأمر مضبوط ومدبر، والطليق قد يوحي بحرية أو فوضى بحسب الحال. ووجود أناس يرافقونه قد يشير إلى مشاركة أو تعاون في عمل ما، أما انفراده فقد يشير إلى استقلال ومسؤولية فردية. وتبقى هذه التفاصيل عوناً على التأمل لا أكثر.
ومن الناحية العملية والنفسية، فالرجل الذي يحمل أعباء أسرته وعمله قد يجد في الجمل صورة ذهنية لما يحمله من أثقال. ويمكنه أن يستفيد من الحلم بأن يخطط لمشاريعه الطويلة بخطوات متدرجة، وألا يحمل ما لا يطيق، وأن يشارك من يثق بهم في الأعباء. كما أن الصبر لا ينافي الأخذ بالأسباب، بل يكملها. وإن كان مقبلاً على سفر فليحسن الاستعداد له كما يحسن الجمل الاستعداد لمسيره الطويل، بتروٍّ وتدبير.
ومما ينبغي التنبيه إليه أن الرجل قد يرى الجمل لأسباب لا علاقة لها بالتأويل، كإرهاق العمل أو كثرة التفكير في سفر قريب أو التزام مالي أو حديث دار بينه وبين أصحابه عن أيام الصحراء. فالعقل في النوم يستعيد ما شغله في اليقظة ويعيد تركيبه في مشاهد غريبة لا تنتظم دائماً في معنى واضح. ولهذا لا يليق أن يتوقف الرجل عند الحلم طويلاً ولا أن يتخذه مقياساً لحاضره ومستقبله، بل يكفيه أن يعتبره فرصة للتأمل في أحواله ثم يمضي في شؤونه مطمئناً.
وفي النهاية، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني لا يُبنى عليه قرار في مال أو سفر أو عمل أو أي شأن حقيقي. وحري بالرجل أن يقابل ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يمضي في عمله وأسرته بالأسباب المعروفة والمشورة الطيبة. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما كتبه لعباده فهو خير يطمئن إليه القلب.
