حين يرى النائم جمالاً كثيرة في منامه، فإن المشهد يتسع ويتنوع، فقد تكون حول بئر أو في مرعى أو تسير في صف طويل أو تتجمع في ساحة. وكثرة الجمال تُحدث في النفس إحساساً مختلفاً عن رؤية جمل واحد، فهي توحي بحياة كاملة تتحرك أمام الرائي. وينبغي أن نؤكد أن الرؤيا رمزية تقريبية، وأن عدد الجمال لا يُعد حقيقة حسابية ولا يشير إلى قدر معين. إنما هو أسلوب العقل في التعبير عن الكثرة والتنوع والتعدد في أمر ما.
الجمل في الأصل رمز للتحمل والرحلة والعبء والرزق في بعض الثقافات، فإذا تعدد فقد يحمل الحلم معنى التعدد في هذه الأبواب كلها. فقد تدل الكثرة، عند من يقرأ الرموز، على كثرة المسؤوليات والمهام التي يحملها الحالم في آن واحد، أو على سعة في الأسباب والموارد. وقد تعبّر أيضاً عن كثرة المشاغل التي تتنازع وقته وجهده، فيكون كل جمل منها مهمة تحتاج إلى قيادة. وهكذا يتسع المعنى بحسب ما يشعر به الحالم تجاه المشهد.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن كثرة الحيوان النافع في الرؤيا قد تدل على سعة أو عدد من الأتباع أو الأعمال، بينما ذهب بعضهم إلى أن الكثرة قد تشير إلى التزامات ثقيلة. وذكر النابلسي في بعض ما نُقل عنه الجمل في باب الأسفار والأحمال، فيمكن أن يُفهم من ذلك أن كثرتها تشير إلى كثرة الأحمال أو تعدد الأسفار. وقد اختلف المفسرون في ذلك كثيراً، فلم يتفقوا على أن الكثرة خير مطلق أو عبء مطلق، وكل منهم نظر بحسب ما يحيط بالرؤيا.
يتغير المعنى تبعاً لحال هذه الجمال، فالقطيع السمين المطمئن عند الماء والمرعى يوحي بالسعة والراحة، والقطيع الهزيل المضطرب يوحي بالحاجة إلى تدبير أحسن. ومشهد الجمال وهي تسير بنظام يختلف عن مشهد التزاحم والفوضى، فالأول قد يعكس ترتيباً في الأمور والثاني قد يعكس تشتتاً. ويؤثر المكان والزمان، فالنهار غير الليل، والصحراء غير المدينة. وأقوى القرائن شعور الرائي نفسه، أكان مرتاحاً يشاهد أم متوتراً يحاول الهرب.
وللرجل قد تعبّر كثرة الجمال عن كثرة أعباء العمل أو تعدد مشاريعه ومسؤولياته الأسرية، وقد تكون تذكيراً بأن يوزع جهده بحكمة. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن تعدد مهام البيت وكثرة ما يُطلب منها في يوم واحد، وعن رغبتها في أن يشاركها غيرها. وللفتاة غير المتزوجة قد تعكس تعدد الخيارات أمامها في دراسة أو عمل أو نوايا مستقبلية، وحيرتها بينها. وللحامل قد تكون صدى لتزاحم الأفكار والتجهيزات التي تشغلها. وهذه احتمالات للتأمل لا أكثر.
وللتاجر قد توحي الكثرة بتنوع البضائع أو اتساع شبكة المعاملات، وقد تُقرأ تذكيراً بأن تعدد الأعمال يحتاج إلى حسن إدارة وعدم الإسراف في التوسع. وللمسافر قد توحي بقافلة من المشاغل والترتيبات التي تسبق الرحلة، كحجز ومتاع وأوراق. وليس في ذلك وعد بسعة رزق أو تحذير من خسارة، فالأرزاق بيد الله، والحلم لا يزيد على كونه مرآة لانشغالات ذهن صاحبه.
وثمة تفاصيل دقيقة ينبغي ألا تفوت الحالم، مثل: هل كانت الجمال من لون واحد أم ألوان متعددة؟ فاللون الواحد قد يوحي بتجانس الأمور، والألوان المتعددة بتنوعها. وهل كان فيها صغار بين الكبار، وهل كان عليها أحمال أم كانت طليقة، وهل كان لها راعٍ يقودها أم تُركت وحدها. فالجمال بلا راعٍ قد توحي بشعور بغياب التوجيه، وبوجود الراعي قد توحي بالتنظيم. وهذه الملاحظات الصغيرة تنقل الرؤيا من العموم إلى الخصوص.
ومن الناحية النفسية العملية، قد يكون هذا الحلم دعوة هادئة لترتيب الأولويات حين تتزاحم الأعباء. فكما يحتاج الراعي إلى معرفة كل جمل في قطيعه ومتابعة حاله، يحتاج المرء إلى قائمة واضحة بما عليه وما له. ويمكن أن يبدأ بالأهم، ويؤجل ما يمكن تأجيله، ويفوّض ما يمكن تفويضه لمن يثق بهم. والتخفف من الإحساس بالعدد الكبير يبدأ من معرفة أن لكل مهمة وقتها ومكانها.
وقد يكون للمشهد جانب مبهج كذلك، فرؤية جمع كبير من الجمال الهادئة قد تعكس بدورها شعوراً بالأمان والانتماء إلى جماعة، كمن يرى أهله حوله. وهذا المعنى يخفف كثيراً من وطأة توقع المسؤوليات، إذ يذكّر الإنسان بأنه ليس وحده في الميدان. فمن تأمل الصورة بعين الود وجد فيها ما يطمئنه، ومن قرأها بعين القلق وجد فيها ما يثقله، والأمر في النهاية يرجع إلى ما يحمله القلب.
وفي الختام فإن كل ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يتخذ سبباً لتوسع في تجارة أو قرار في سفر أو غيره دون تدبر واستشارة. وإنما الغيب أمره إلى الله وحده، ومهما كثرت الرموز فهي لا تكشف مقدوراً. فليقابل الرائي رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليأخذ بالأسباب الواقعية في شؤونه. ومن أحسن الظن بربه وأتقن عمله، فقد جمع بين الطمأنينة والجد.
