تمر المرأة الحامل بمرحلة يكثر فيها الحلم وتتكاثر فيها الصور الغريبة في منامها، ولذلك ليس غريباً أن ترى جملاً يظهر فجأة في رؤياها. وهذه الرؤيا تتردد في أحاديث النساء الحوامل، وكثيراً ما يسألن عن معناها بقلق ولهفة. وأول ما ينبغي قوله إن الحمل زمن تتقلب فيه المشاعر والهرمونات، فيكون المنام أكثر تأثراً بالخواطر والمخاوف منه بأي إشارة غيبية. ومن ثم فإن ما يُذكر هنا قراءة رمزية هادئة لا ينبغي أن تثير في النفس خوفاً ولا تعلقاً بتوقعات.
يرمز الجمل في عمومه إلى الصبر وطول النفس وحمل الأثقال، وإلى الرحلة الطويلة التي تُقطع على مهل وبثبات حتى بلوغ غايتها. وكلها معان قريبة جداً من حال الحامل التي تحمل أمانة صغيرة في أحشائها شهوراً طويلة، وتتحمل التعب والتغيرات بصبر وأمل. كما أن للجمل صلة بالعطاء والرزق وبالمسير نحو منزل مأمول، وهي معان يناسبها استقبال مولود جديد. ومع هذا فكل ذلك تقريب رمزي، وليس حكماً على ما سيجري في الحمل أو الولادة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجمل يرتبط بالسفر والمشقة وما يتحمله المرء من أعباء، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يرمز إلى القوة والاحتمال وإلى مال يأتي بعد عناء. ولم يُنقل عن هؤلاء المفسرين كلام قاطع في رؤيا الحامل خاصة، وإنما أخذ المتأخرون من القواعد العامة ما يناسب حالها. وقد اختلف المفسرون في كثير من التفاصيل، فمنهم من حمل الجمل على الخير ومنهم من حمله على التعب، وكلها اجتهادات لا يجوز التسليم بها تسليماً مطلقاً.
وتتبدل الدلالة بحسب تفاصيل المشهد، فالجمل الوديع الذي يمشي بخطى متزنة يُقرأ عند بعضهم على أنه إشارة إلى استقرار وهدوء في الرحلة، والجمل الصاخب أو المتعجل يُقرأ على أنه ضيق وانشغال بما هو آتٍ. ويُنظر كذلك إلى لونه وحجمه ومكانه، وإلى ما إذا كانت الحامل تركبه أم تقف بعيدة عنه أم يقف هو أمامها. والأهم من ذلك كله شعورها في الحلم، فإن كانت مطمئنة فالأمر أخف، وإن كانت خائفة فقد يكون مصدر الخوف ما تحمله من قلق على الولادة وما بعدها.
وللحامل أن تفهم الجمل الهادئ الذي يمشي بجوارها على أنه صورة للصبر الذي تحتاجه في هذه الشهور، وللأمل في أن يمر زمن الانتظار بسلام. وإن رأته يبرك قريباً منها فقد يُقرأ ذلك على أنه اقتراب من محطة راحة، وكأن الرحلة بلغت منزلاً تهدأ فيه. وإن رأت نفسها على ظهره فقد يُفهم أنها تعبر هذه المرحلة بثبات وأنها قادرة على حمل ما أوكل إليها. وهذه المعاني ليست بشارة بنوع المولود ولا بموعد ولادته، فمن ادعى معرفة ذلك فقد تجاوز حدود التفسير.
وإن ظهر الجمل غاضباً أو مندفعاً فلا تحمله الحامل على أنه نذير مكروه، فإن الأحلام المزعجة كثيرة في الحمل وتكون في الغالب انعكاساً لتوتر الأيام وتعب الجسد. وقد يعبر ذلك عن خوفها من آلام الوضع أو من مسؤوليات الأمومة القادمة، وهي مشاعر طبيعية يمر بها كثير من النساء. وخير ما تفعله أن تهدئ نفسها وتتحدث عن مخاوفها مع من تثق به، وتسأل طبيبتها عما يشغلها من أمر صحي بعيداً عن التأويلات.
ومن دقائق التفاصيل أن ينظر في حال الجمل، أهو سمين قوي أم هزيل متعب، وهل هو محمل أم خفيف، وهل يسير في ظل وماء أم في قيظ وعطش. فالقوي المتزن قد يوحي بقوة يُرجى حصولها، والمتعب قد يوحي بحاجة إلى راحة وعناية بالنفس. والماء القريب قد يُقرأ على أنه يسر ورحمة، والعطش على أنه رغبة في الدعم والاهتمام. وهذه الإشارات الدقيقة لا تعدو أن تكون أدوات للتأمل، ولا تنبئ بأمر خفي.
وفي الجانب النفسي العملي، تحتاج الحامل إلى أن ترى في الجمل رمزاً إيجابياً للثبات وتوزيع الجهد، فالجمل يمشي بإيقاع ثابت ولا يستعجل، وكذلك ينبغي للحامل أن تأخذ نفسها بالرفق. ويحسن بها أن ترتب أمورها قبل الولادة، وتجهز ما يلزم بهدوء، وتقبل مساعدة زوجها وأهلها دون حرج. والنوم الكافي والغذاء المناسب والمتابعة الطبية أولى من أي تأويل. وما أجمل أن تدعو لنفسها ولجنينها بالسلامة والعافية.
وفي الختام، فإن هذا كله اجتهاد بشري ظني، ولا يصلح أن تُبنى عليه قرارات أو توقعات تتعلق بالحمل أو الولادة أو صحة الأم والجنين. والأولى بالحامل أن تقابل منامها بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن تأخذ بنصح الأطباء المختصين وأهل الخبرة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الأعلم بما فيه خير الأم وطفلها، فلتطمئن نفسها وليهدأ قلبها.
