يرى بعض الناس جملاً يمضي وسط عاصفة رملية تحجب الرؤية وتملأ الجو غباراً، فيستيقظون وفي حلقهم جفاف وفي صدورهم ضيق. وهذه الرؤيا من المشاهد الصحراوية الصارمة التي يظهر فيها الجمل في بيئته الأصلية وهي أقسى حالاتها. ومن الواجب أن يُفهم أن التفسير رمزي لا حرفي، فلا يعني الحلم أن عاصفة ستحل بالرائي في الواقع ولا أن ضرراً سيصيبه. وكل ما يُقال قراءات محتملة قد تصيب وقد تخطئ، وهي لا تغني عن النظر في أحوال الرائي الفعلية.
العاصفة الرملية في الأحلام تُقرأ عادة على أنها اضطراب وتشتت وضبابية في الرؤية، فهي تحجب الطريق وتجعل الاتجاهات غير واضحة. والجمل الذي يمضي فيها يرمز إلى الثبات والصبر في وجه هذه الضبابية. فاجتماعهما قد يُقرأ على أن الرائي يمر بمرحلة غير واضحة تختلط فيها الأمور، وأنه يحتاج إلى تماسك حتى تنجلي. وللجمل في هذه الحالة صفات تناسب الموقف، إذ تحمي عيناه رموش طويلة وأنفه ينغلق، فيكون رمزاً للحماية الذاتية.
نُسب إلى ابن سيرين أنه ربط الجمل بالسفر والمشقة وما يتحمله المرء من أعباء، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يرمز إلى القوة والاحتمال وإلى مال يأتي بعد صبر. وأما الريح والغبار فقد ذكر المفسرون فيهما معاني تتعلق بالفتنة أو الهم أو التغير بحسب الحال، واختلفوا في ذلك اختلافاً كبيراً. ولم يُنقل نص خاص في الجمل في العاصفة الرملية، فما يُذكر هنا استنباط من أصول عامة، وهو اجتهاد لا يُجزم به.
وتتفاوت القراءة بحسب شدة العاصفة، فالعاصفة الخفيفة قد تعكس توتراً بسيطاً أو أمراً عابراً، والشديدة قد تعكس ضغطاً كبيراً أو ارتباكاً عميقاً. ويُنظر إلى حال الجمل، أيسير بثبات أم يبرك ويحني رأسه حتى تمر، فالبروك قد يُقرأ على حكمة الانتظار حتى تهدأ الأمور. ويُنظر إلى وجود مأوى قريب أو غيابه، وإلى ما إذا كان الرائي معه أم بعيداً عنه، وإلى مدة العاصفة، وهل انجلت في نهاية الحلم أم لا. وكل ذلك يؤثر في المعنى.
وإن رأى الرائي أن الجمل يبرك ويغطي رأسه حتى تمر العاصفة فقد يُقرأ ذلك على أن التروي والانتظار خير من الاندفاع وسط الفوضى. وإن رأى الجمل يواصل المسير بإصرار فقد يعكس رغبة في المضي رغم صعوبة الرؤية. وإن رأى نفسه يحتمي بالجمل فقد يوحي بأنه يعتمد على قوة أخرى أو صاحب سند في أمر ما. وإن رأى العاصفة تنجلي والسماء تصفو فقد يوحي ذلك بأمل في انكشاف الأمور. وكلها تأملات رمزية.
وقد يخاف الرائي من هذا المشهد فيظنه نذير شدة. ولا ينبغي ذلك، فكثيراً ما تأتي أحلام العواصف الرملية من اختلاط الأفكار وتزاحم المهام في اليقظة، أو من مشاهدة أخبار عن غبار وطقس سيئ، أو من نوم في جو جاف يسبب جفاف الحلق. والجسد الذي يشعر بالجفاف يترجمه الدماغ في صورة صحراء وغبار. فمن الحكمة أن يشرب الرائي الماء ويرطب غرفته ويراجع حالته الصحية، قبل أن يشغل نفسه بالتفسير.
ومن الدقائق أن يُنظر إلى لون الغبار، أهو أصفر أم أحمر أم رمادي، وإلى اتجاه الريح، وإلى صوتها هل هو هادئ أم صاخب، وإلى وجود آخرين يسيرون مع الجمل. فاللون الأصفر الفاتح قد يوحي بأمر خفيف، والداكن بثقل. وصوت الريح الصاخب قد يوحي بضجيج أفكار، وقرب الناس قد يوحي بالأنس. ولا تتجاوز هذه العلامات حدود الاستئناس الذي يساعد الرائي على فهم حالته الشعورية لا غير.
وفي الجانب النفسي العملي، فإن مشهد الجمل في العاصفة يعلمنا أن القرار الحكيم في أوقات الضباب هو التريث وحماية النفس ريثما تتضح الرؤية. فلا يحسن بالمرء أن يتخذ قرارات مصيرية وهو في حالة تشتت ذهني أو انفعال. وإن كان يمر بفترة اختلطت فيها عليه الأمور فليكتب ما يشغله ويرتب أولوياته ويستشير من يثق بهم، وليمنح نفسه وقتاً. فكما تنجلي العاصفة وتصفو السماء، تنجلي كثير من الحيرات بالصبر وحسن التدبير.
ومما يفيد أن يتخيل المرء في يقظته كيف يتصرف الجمل في العاصفة، فيجد أنه لا يقاتلها ولا يهرب منها بل يغلق ما يحتاج إلى إغلاقه ويبقى ثابتاً. وهذه صورة جميلة للتعامل مع الضغوط، فلا نواجهها بالانفعال ولا نستسلم لها، بل نحمي ما يجب حمايته ونمضي بهدوء. ويمكن أن يكون ذلك درساً هادئاً لكل من يتعرض لضغوط الأيام، فيأخذ منه سكينة ويضعها في قلبه.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار في سفر أو عمل أو مال أو أي شأن حقيقي. والأولى بمن رأى هذا الحلم أن يقابله بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يسأل الله الستر والعافية. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو أعلم بما تخفيه الأيام وما يصرفه عن عباده.
