قد يرى الإنسان في منامه جملاً عطشان يبحث عن الماء، أو يرى نفسه وجملاً في صحراء قاحلة والعطش يشتد، فيستيقظ وفي حلقه جفاف حقيقي أحياناً. وهذه الرؤيا مألوفة لدى من ينام في جو حار أو بعد طعام مالح، وهي كذلك رمز يتكرر في حديث الناس عن المشقة. ويجب أن يُفهم أن التفسير رمزي لا حرفي، فلا يعني العطش في المنام أن الرائي سيعطش أو يفتقر إلى شيء في الواقع. وكل ما يُقال قراءة محتملة تقبل الخطأ.
الجمل يُعرف بقدرته على احتمال العطش أياماً طويلة، وهذا ما جعله في الأذهان رمزاً للصبر والتحمل. فاجتماع الجمل مع العطش في المنام يُقرأ على أن الرائي يتحمل نقصاً في شيء ما، كالراحة أو الحنان أو الطمأنينة أو المال. والماء في الرمزية يدل على الحياة والرزق والمشاعر، فالعطش قد يدل على شوق إلى ما يرويه من هذه الأمور. وفي الجمل الذي يصبر على العطش تذكير بأن النفس قادرة على الاحتمال ريثما يأتي الري.
نُسب إلى ابن سيرين أنه ربط الجمل بالسفر والمشقة وما يتحمله المرء من أعباء، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يرمز إلى الاحتمال والقوة وإلى مال يأتي بعد صبر. وأما العطش فقد ذكر المفسرون له معاني تتعلق بالحاجة والشوق والمشقة بحسب الحال، واختلفوا في ذلك اختلافاً كبيراً. ولم يُنقل نص خاص في الجمل والعطش، فما يُذكر هنا استنباط من أصول عامة، وهو اجتهاد لا يرقى إلى اليقين.
وللتفاصيل أثر في تحديد الدلالة، فإن وجد الجمل الماء فشرب فقد يُقرأ ذلك على قرب انفراج أو وصول إلى ما كان ينقص. وإن بقي عطشان فقد يعكس شعوراً بأن الحاجة ما زالت قائمة وأن الصبر مطلوب. ويُنظر إلى مصدر الماء، أبئر قريب أم سراب بعيد، فالبئر قد يوحي بأمل قريب، والسراب بتعلق بما لا يتحقق. ويُنظر كذلك إلى حال الجمل، أقوي هو أم منهك، وإلى شعور الرائي، أيشفق عليه ويسقيه أم يشعر بنفسه عطشان.
وإن رأى الرائي نفسه يسقي الجمل فقد يُقرأ ذلك على أنه يمد العون لمن يحتاجه، أو أنه يقوم بواجب العناية بمن يعتمد عليه. وإن رأى أحداً يسقيه فقد يوحي بأن عوناً سيأتيه في أمر ما. وإن رأى نفسه والجمل يشربان معاً من مورد واحد فقد يوحي ذلك بمشاركة في رزق أو راحة، وبألفة في الطريق. وإن رأى ماءً قليلاً لا يكفي فقد يعكس قلقاً من قلة الموارد، وهو قلق مألوف لا يدل على نقص حقيقي.
وقد يكون للعطش الحقيقي أثر بالغ في هذه الرؤيا، فمن نام وفي جسمه جفاف أو حرارة أو ملح كثير رأى في المنام مشاهد عطش ومياه وصحارى. ولهذا يحسن أولاً أن ينظر الرائي في حاله الجسدية، وأن يشرب ما يكفيه من الماء قبل النوم وعند الاستيقاظ. وإن كان من أصحاب الأمراض التي تسبب العطش فليراجع طبيبه بشأن ذلك، فهذه أسباب واقعية أولى بالاهتمام من التأويل. والأحلام كثيراً ما تكون صدى لحاجات الجسد.
ومن التفاصيل الدقيقة أن ينظر إلى لون الرمال وحرارة الجو، وإلى وجود نخل أو واحة على البعد، وإلى هدوء الجمل أو قلقه. فالواحة البعيدة قد توحي بأمل ينتظر، والرمال المحرقة بامتحان قاس، وهدوء الجمل بصبر متين. ويُنظر كذلك إلى الزمن، أيبدو قصيراً أم طويلاً. فالمشهد الذي ينتهي بالارتواء يريح النفس، أما الذي ينتهي قبل ذلك فقد يترك أثراً من الشوق. وكلها أدوات تأمل لا إخبار.
وفي الجانب النفسي العملي، فإن العطش الرمزي قد يعني حاجة النفس إلى شيء تفتقده، كالراحة أو الاهتمام أو الإنجاز أو الصلة بالأهل أو القرب من الله بالذكر والدعاء. ويمكن للرائي أن يسأل نفسه ما الذي ينقصني فعلاً هذه الأيام، ثم يسعى في تحصيله بالأسباب المشروعة. وكما يعرف الجمل مواضع الماء في صحرائه، يمكن للإنسان أن يعرف مواضع الراحة في حياته، من صحبة طيبة وهواية نافعة وجلسة هادئة. وبهذا يخف جفاف النفس.
ولعل من أجمل ما يمكن أن يُستفاد من هذا المشهد أن يتذكر الإنسان أن للعطش في الأحلام وجهاً آخر هو الشوق، والشوق شعور نبيل يدفع إلى السعي والتطلع. فمن عطش إلى علم طلبه، ومن عطش إلى لقاء حبيب سعى إليه، ومن عطش إلى راحة نفس بحث عن أسبابها. وربما كان الجمل في الحلم يقول بلسان حاله إن العطش لا يقتل من صبر وسعى إلى مورد الماء. وهذه المعاني الدافئة تصلح أن تكون عوناً معنوياً لا أكثر، دون أن تُحمَّل صفة النبوءة.
وفي الختام، فإن كل ما قيل اجتهاد بشري ظني، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار في مال أو سفر أو عمل أو أي أمر حقيقي. والأولى بمن رأى هذا الحلم أن يقابله بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يطلب من الله الري والسكينة. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو الكريم الذي يسوق الخير لعباده في الوقت الذي يعلمه.
