الجمل ذو السنامين، المعروف بالجمل الباختي أو البكتري، نوع أقل شيوعاً في بلاد العرب لكنه معروف في آسيا الوسطى وطرق التجارة القديمة. ومن رآه في منامه فقد يلتقط عقله صورة مألوفة من كتاب أو مقطع مصور أو متحف، وقد تكون الصورة مجرد ابتكار حلمي. وأول ما يلفت النظر في هذا الجمل ذلك الارتفاعان المتجاوران على ظهره. ونؤكد أن تفسير الأحلام قراءة رمزية لا تُحمل على ظاهرها، وأن عدد الأسنمة لا يعني رقماً قدرياً، لكن يمكن أن نتأمل ما قد توحي به الصورة.
إذا كان السنام الواحد يوحي بتركيز الطاقة في موضع واحد، فإن السنامين قد يوحيان عند من يقرأ الرموز بالتوازن بين أمرين أو بقدرة مضاعفة على التحمل. فقد يرمز الحلم إلى حياة ذات جانبين متوازيين يحملهما الحالم، كعمل وأسرة أو دراسة وعمل أو بلدين في حياته. وقد يوحي كذلك بخزين مضاعف من الصبر، وبأن في الإنسان طاقات لم يستخدمها بعد. وفي الصورة أيضاً شيء من الغرابة التي تنبه الذهن إلى أن الأمر ليس عادياً تماماً.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الجمل في الرؤيا يدل على السفر والتحمل، ولا نعلم له نصاً خاصاً في ذي السنامين، فاجتهد المتأخرون في القياس على الجمل عموماً. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجمل من دلائل الأسفار والأحمال، فرأى بعض من جاء بعده أن مضاعفة السنام قد تشير إلى مضاعفة في هذا المعنى. وهذه كلها استنباطات اختلف فيها المفسرون، ولم يجمعوا عليها، فهي ظنون نذكرها للتأمل لا للحكم.
يتغير المعنى بتغير هيئة السنامين، فإذا كانا متساويين متناسقين فقد يوحيان بتوازن في الأمور، وإذا كان أحدهما أكبر أو مائلاً فقد يوحي ذلك بغلبة جانب على آخر في حياة الحالم. وإذا كانا ممتلئين فقد يوحي ذلك بوفرة طاقة، وإذا كانا مترهلين فقد يوحي بإرهاق. ولبيئة الرؤيا دور، فهو في ثلج أو صحراء حجرية أو في مكان غريب يعطي إحساساً بالغربة. ويبقى شعور الحالم، من دهشة أو ألفة أو قلق، هو الأصل في الترجيح.
وللرجل قد تدل الرؤيا على تقاسمه جهده بين عملين أو بين التزامين، وعلى رغبته في موازنة بينهما. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن جمعها بين مسؤوليات البيت والعمل أو بين أطراف أسرتين، وحاجتها إلى تقدير لهذا الجهد المزدوج. وللفتاة غير المتزوجة قد تعكس حيرة بين خيارين أو سعياً إلى جمع هدفين في وقت واحد. وللحامل قد تكون صدى لإحساس مضاعف بالثقل والمسؤولية في هذه المرحلة. وكلها احتمالات للتأمل لا للجزم.
وللتاجر قد توحي الصورة بأن لديه مصدرين للدخل أو سوقين أو بضاعتين، وبأن التوازن بينهما يحتاج إلى حسن إدارة. وللمسافر قد توحي بسفر يمر بمحطتين أو ببلدين، أو برحلة ذات مرحلتين. ولا يعني ذلك أن شيئاً من هذا سيقع، فالأمور بيد الله وحده، وإنما هي صورة ذهنية تقترب من انشغالات صاحبها. وعلى من يمارس تجارة متعددة أن يعتمد على دفاتره وحساباته، لا على رموز المنام.
ومن الدقائق التي تستحق الانتباه أن الحالم قد يرى الجمل بسنامين وهو في الأصل لا يعرف هذا النوع، وفي ذلك احتمال أن العقل ركّب صورة جديدة من عناصر معروفة. ولذلك ينبغي أن يُسأل: هل رأى مؤخراً صورة أو فيلماً أو قصة فيها هذا الجمل؟ وهل كان الجمل أليفاً هادئاً أم مخيفاً؟ وهل كان عليه حمولة أم راكب؟ كل ذلك يعين على فهم الصورة في ضوء ما اختزنته الذاكرة، فلا يُحمَّل المشهد أكثر مما يحتمل.
ومن الناحية النفسية والعملية، قد تكون الرؤيا دعوة إلى تنظيم الطاقة بين أكثر من مجال، فمن يحمل على ظهره أمرين يحتاج إلى أن يدرك أن لكل منهما مخزناً وأن لا يستنزف أحدهما لحساب الآخر. ويمكن أن يسأل المرء نفسه ما الأمران اللذان يشغلانه أكثر من غيرهما، وهل يعطي كلاً منهما حقه. وقد يكون من المفيد أن يضع جدولاً بسيطاً يوزع فيه وقته، وأن يخصص وقتاً لراحته كما يخصص للمهام.
وقد تحمل الصورة كذلك معنى الاتساع في القدرة، فالإنسان كثيراً ما يستهين بما يختزنه في داخله من طاقة، ويظن أنه بلغ حدّه وهو لم يبلغه. والتفاؤل بقدرة النفس على التحمل، مع مراعاة حدودها، موقف متوازن يحبه كل ذي عقل. فمن رأى في الحلم شيئاً من هذه المعاني فليأخذ منه ما يشجعه، وليترك ما لا يناسبه.
وفي الختام، فكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى على تأويل حلم قرار في عمل أو سفر أو ارتباط. وعلم الغيب عند الله وحده، وليس في عدد الأسنمة ما يكشف المقدور. فليقابل الرائي رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليعمل بما يستطيع. ومن فعل ذلك عاش مطمئن القلب، قليل الالتفات إلى ظنون الغيب.
