يظهر الجمل الأبيض في بعض الأحلام بصورة لافتة تبقى في الذاكرة بعد الاستيقاظ، فبياضه وسط لون الرمال يجذب الانتباه ويمنح المشهد هيبة وسكينة. وكثيراً ما يسأل الرائي نفسه عن سر هذا اللون وما إذا كان له معنى خاص. وينبغي هنا التنبيه إلى أن تفسير الأحلام قراءة رمزية لا تُحمل على الظاهر، فاللون الأبيض في الحلم ليس وعداً بشيء بعينه. وإنما هو صورة يُحتمل أن تحمل لدى بعض المفسرين دلالة على الصفاء أو الوضوح، فنقرؤها بهدوء ودون تعلق.
يرتبط البياض في أذهان الناس بالنقاء والبداية الجديدة والطمأنينة، ويرتبط الجمل بالصبر والسفر وحمل المسؤوليات. فإذا اجتمعا في مشهد واحد رأى بعضهم أن الحلم قد يشير إلى رحلة أو مرحلة طويلة تسير فيها الأمور بوضوح وبعد عن التعقيد. وقد يكون الجمل الأبيض كذلك صورة لمسؤولية يحملها صاحبها بنيّة صافية وضمير مرتاح. والجمل نفسه رمز للقوة الهادئة، فإذا لبس ثوب البياض بدا كأنه قوة مطمئنة لا تخيف ولا تثقل.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الألوان الفاتحة في الرؤى أقرب إلى معاني السلامة والسعة من الألوان الداكنة، وذهب بعض المفسرين بعده إلى مثل ذلك في الحيوانات. وفي كلام النابلسي المنقول ما يُفهم منه أن الجمل قد يدل على السفر والتحمل، فيكون الأبيض منه عند من قال بذلك أخفّ مشقة وأيسر طريقاً. غير أن المفسرين اختلفوا في هذا الباب اختلافاً كبيراً، ولم يتفقوا على قاعدة واحدة في دلالة الألوان. فهي آراء تُذكر على سبيل الاستئناس، لا على سبيل اليقين.
يتبدل المعنى المحتمل بحسب حال الجمل الأبيض في المنام، فالجمل الصافي النظيف الذي يسير بهدوء يختلف عن جمل أبيض مريض أو مغبَّر أو هائج. وللمكان أثره أيضاً، فهو في صحراء واسعة غير ما لو ظهر في طريق ضيق أو بين البيوت. وللحجم والعدد أثرهما كذلك، إذ جمل أبيض واحد في الأفق قد يوحي بغاية واحدة واضحة، وقطيع منه قد يوحي بتعدد الأمور المشغولة بها النفس. وأهم من ذلك كله ما شعر به الحالم، فالألفة تقرأ بغير ما يُقرأ به الخوف.
وللرجل الذي يرى جملاً أبيض قد تكون الرؤيا انعكاساً لرغبته في بداية صافية في عمله أو في علاقاته، أو لتفكيره في سفر قريب. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن أمنية في هدوء البيت وصفاء العلاقة وراحة الأعباء. وللفتاة غير المتزوجة قد تكون صورة لتطلعها إلى مستقبل واضح المعالم وصبرها على مرحلة الانتظار والدراسة. وللحامل قد تعكس رغبة فطرية في الطمأنينة وسلامة الطريق إلى موعد الولادة. وهذه كلها ظنون محتملة تتفاوت من شخص إلى آخر.
وللتاجر والمسافر نصيب من هذه القراءة، فالجمل الأبيض قد يوحي لهما بصفاء المعاملة ووضوح الشروط في رحلة تجارية أو سفر طويل. وقد يكون انعكاساً لرغبتهما في طريق سلس بلا مفاجآت، وهي رغبة طبيعية عند كل من يستعد لرحلة. وليس في ذلك ما يضمن أن السفر سيسير على نحو معين، فالطرق بيد الله وحده، وإنما هو تعبير عن أماني النفس وتطلعاتها. ومن الحكمة أن يجعل المسافر استعداده الحقيقي أساس اطمئنانه، لا صورة رآها في منامه.
وتزيد التفاصيل الصغيرة المشهد وضوحاً، فقد يلاحظ الحالم شكل السنام، أو لمعان الوبر، أو هيئة الراكب إن وُجد، أو لون السماء خلف الجمل. والجمل الأبيض الذي يمشي بخطى منتظمة قد يوحي بثبات ورزانة، أما الذي يبدو متعباً فقد يوحي بحاجة إلى راحة ومراجعة. ووجود ماء أو ظلّ قريب في المشهد قد يعطي إحساساً بوجود موارد تعين الحالم، وغيابه قد يوحي بالحاجة إلى حسن التدبير. وتدوين هذه التفاصيل بعد الاستيقاظ يعين على فهم ما شغل النفس حقاً.
ومن الجانب النفسي، قد يكون اللون الأبيض في الحلم دعوة لطيفة إلى تبسيط الحياة وتخفيف ما يعلق بها من تعقيدات. فالإنسان الذي يحمل ملفات كثيرة في ذهنه يحتاج إلى ترتيب أولوياته كما يرتب المسافر حمولته على ظهر راحلته. ويمكنه أن يسأل نفسه عمّا يستحق أن يحمله فعلاً وعمّا يمكن أن يتركه خلفه دون ندم. والصبر على المسير مع بقاء النية صافية معنى جميل يمكن أن يستخلصه كل أحد، سواء صدّق بالتفسير أو لم يصدّق.
وخلاصة القول إن هذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يتحول إلى أساس لقرار في سفر أو بيع أو شراء أو ارتباط. وعلم الغيب عند الله وحده، وما يراه الإنسان في نومه قد لا يعدو أن يكون صدى لأفكاره وما مرّ به في يومه. فالواجب أن يستقبل الرائي رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يترك الأمر لمن بيده الأمر كله. ثم يمضي في حياته مطمئن القلب، آخذاً بالأسباب الممكنة، راجياً الخير من ربه دائماً.
