الشمعة المشتعلة في المنام مشهد حي فيه لهب يتراقص وضوء يملأ المكان، ولذلك يعدّه كثير من الناس من أجمل مشاهد الشموع. والرؤيا في أصلها صورة رمزية تتشكل من خواطر الإنسان ومشاعره وما يمر به في أيامه، وليست إخبارًا قاطعًا بما سيقع. وما يُذكر هنا اجتهادات في قراءة الرموز، تحتمل الصواب والخطأ وتختلف باختلاف حال كل رائٍ. فليأخذ الرائي ما يوافق ظروفه وليترك ما سواه دون قلق. وبذلك يبقى التفسير مساحة للتأمل الهادئ.
الشمعة في عالم الرموز ضوء يقاوم العتمة، وهي تشير غالبًا إلى الأمل والدفء والطمأنينة. وتشير كذلك إلى أجواء الاحتفال واجتماع الأحبة، وإلى العطاء للآخرين، فهي تضيء لهم وتذوب شيئًا فشيئًا. وقد ربطها بعض المفسرين بالجهد الذي يستهلك صاحبه وهو يخدم من حوله. أما اشتعالها فيوحي عند الناس بأن الأمل حاضر وأن الجهد قائم وأن الدفء يملأ المكان الآن. فكأن الصورة تمثل شيئًا في حياة الرائي يعمل ويضيء. وكل ذلك احتمالات لا يُجزم بها.
نُسب إلى ابن سيرين أن الضوء في المنام يميل إلى معاني الخير والفهم والبصيرة بقدر هدوئه وصفائه. وعلى هذا الأصل رأى بعض الشراح أن الشمعة المشتعلة قد تدل على أمر نشط في حياة الرائي أو على فهم يتفتح لديه. وقد يفهمها آخرون على أنها أمل قائم لا يزال يعطي صاحبه الطاقة. وليس في كتب التفسير قول قاطع في الشمعة المشتعلة بذاتها. ولهذا فإن الأحوال المصاحبة للرؤيا، كشعور الرائي ومكان الشمعة وحال الغرفة، أهم من اشتعالها وحده في توجيه المعنى.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشمعة تدل على من ينتفع الناس بعلمه وفضله، لأنها تضيء لغيرها وهي تذوب. ورأى بعض المفسرين أن اللهب الهادئ علامة على راحة البال، وأن اللهب المتمايل علامة على انشغال أو ترقب. وفي المقابل رأى آخرون أن المشتعلة تشير إلى جهد جارٍ يحتاج إلى حسن إدارة. وهذا الاختلاف طبيعي في باب الرموز. وعلى الرائي أن يوازن بين الآراء وبين ما يعرفه من أحواله.
يتغير المعنى بحسب السياق الذي ظهرت فيه الشمعة المشتعلة. فإن كان اللهب ثابتًا والغرفة هادئة فقد توحي بالسكينة والاستقرار. وإن كان اللهب يميل مع تيار هواء فقد تعبّر عن مشاعر متقلبة أو ظروف تحتاج إلى حماية. وإن شعر الرائي بالدفء عند رؤيتها فالمعنى أميل إلى الاطمئنان، وإن شعر بالتوتر فقد يكون انعكاسًا لانشغال عابر. ويبقى إحساسه أصدق دليل على الاتجاه الأقرب.
إن كان الرائي طالبًا فقد تدل الشمعة المشتعلة على جهد دراسي قائم وهمة متقدة. وإن كان عاملًا فقد تشير إلى عمل نشط يبذل فيه طاقته. وإن كانت الرائية أمًّا فقد تعبّر عن دفء حاضر تمنحه لأسرتها كل يوم. وإن كان الرائي كبيرًا في السن فقد تحمل معنى الأنس والاجتماع على الضوء. وهذه كلها قراءات احتمالية تتبدل بتبدل الأحوال.
من التفاصيل التي يحسن تذكرها حجم اللهب، أهو صغير هادئ أم كبير متمايل. ومنها لونه، فقد يكون ذهبيًا دافئًا أو مائلًا إلى الحمرة. ومنها الدخان الخفيف إن وُجد وهدوء الجو من حوله. ومنها وجود أشخاص يجتمعون حولها أو غيابهم. وكل تفصيل منها يضيف إيحاءً بسيطًا دون أن يحسم المعنى. ويحسن ألا يُفرط الرائي في استحضار التفاصيل الدقيقة إن لم يتذكرها بوضوح، فالمعنى العام أهم.
من الناحية النفسية قد يكون ظهور الشمعة المشتعلة تعبيرًا عن حماس قائم أو عن حاجة إلى حماية هذا الحماس من الإرهاق. فقد يفيد الرائي أن يوزع جهده على مراحل، وأن يمنح نفسه فترات راحة قصيرة. وقد يفيده أن يتأمل بهدوء ما الذي يجعل أمله حيًّا. وهذه اقتراحات عامة لطيفة قد تناسب بعض الناس. وليست علاجًا ولا بديلًا عن رأي مختص.
وعند استعمال الشموع الحقيقية المشتعلة يجب وضعها في حامل ثابت وعلى سطح غير قابل للاشتعال، وبعيدًا عن الستائر والأوراق والأقمشة. ولا تُترك مضاءة دون مراقبة، ولا تُوضع قرب الأطفال أو الحيوانات الأليفة، ولا تُحرَّك وهي مشتعلة. ويحسن إطفاؤها كاملة قبل النوم أو الخروج. وهذه أمور عملية للسلامة لا علاقة لها بالتفسير، وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس يقينًا عن أمر قادم. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله ويدعو بأن يكتب له الخير والسكينة والدفء الطيب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا صورة تستحق التأمل الهادئ. فليطمئن قلبه وليواصل يومه بأمل وإحسان.
