الحلم بفقدان الشمعة صورة قد يستيقظ منها الرائي وهو يتساءل أين وضع ذلك الضوء الصغير الذي كان بين يديه. وهي رؤيا رمزية في الغالب تعبر عن انشغال الذهن بكثرة الأمور أو عن بحث عن شيء غائب في حياة مزدحمة. ولا يصح أن تُفسَّر بخسارة مؤكدة أو بيأس، ولا أن تُؤخذ خبرًا عن المستقبل. وفيما يلي قراءة هادئة لدلالاتها المحتملة، فالمنامات في معظمها انعكاس لأفكار الرائي ومشاعره.
الشمعة ترمز عادة إلى الأمل والدفء والإضاءة في الظلام والهدوء والاحتفال والعطاء للآخرين والجهد الذي يستهلك صاحبه. وغيابها عن اليد في المنام قد يعبر عن شعور مؤقت بالتشتت أو بأن الأمل يحتاج إلى إعادة ترتيب، وقد يكون مجرد صورة عابرة لنسيان بسيط. ولا يعني ذلك أن الأمل زال، فالشعور بعدم وجود الشيء لا يعني أنه انتهى، وغالبًا ما يعود إلى مكانه حين يهدأ الذهن. وقد يدل المشهد كذلك على رغبة في التمهل ومراجعة ما يحمله الرائي من مهام.
نُسب إلى ابن سيرين في باب غياب الأشياء أن غياب شيء في المنام قد يرتبط بالانشغال عنه أو بالحاجة إلى العناية به، وأن العثور عليه يخفف المعنى. وفهم بعض الشراح من ذلك أن المهم هو موقف الرائي من الغياب، أهو هادئ يبحث بتمهل أم متعجل قلق. وهذه النسبة وردت بصيغ متفاوتة ولا يمكن الجزم بدقتها. ولذلك تُعد اجتهادًا قديمًا يُستأنس به ولا يُتخذ قاعدة.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشمعة تُشبَّه بمن ينفع غيره، وأن غيابها قد يدل على انشغال الرائي عن نفع كان يقدمه أو على رغبته في مراجعة أولوياته. ومن أهل التعبير من قرأ المشهد على أنه حالة ذهنية مؤقتة لا تحمل أكثر من معنى الانشغال. ومنهم من أبقاه مفتوحًا لتفاصيل الحلم. وتختلف الآراء في هذا الباب، وليس في أي منها ما يدعو إلى القلق.
يتأثر المعنى بالسياق. فإذا كان الرائي يبحث بهدوء في أرجاء البيت ويشعر بأن الشمعة في مكان قريب، فالصورة أقرب إلى تذكير بالتمهل وترتيب المكان والأفكار. وإذا كان يبحث بعجلة وتوتر، فقد يعبر ذلك عن ضغط ذهني من كثرة المهام. وإذا نسي أين وضعها ثم تذكر فجأة، فقد يدل ذلك على أن الجواب قريب وأن الذهن يحتاج إلى راحة. وإذا لم يعثر عليها حتى نهاية الحلم، فهذا لا يعني شيئًا مؤكدًا بل هو من طبيعة المنامات المفتوحة.
بالنسبة إلى الطالب، قد ترمز الصورة إلى تشتت بين مواد كثيرة وحاجة إلى جدول بسيط يعيد إليه التركيز. وبالنسبة إلى الموظف، قد تعبر عن انشغال بتفاصيل متعددة تحتاج إلى ترتيب. وبالنسبة إلى الأب أو الأم، قد تدل على إرهاق من كثرة الالتزامات والرغبة في دقائق من الهدوء. وفي كل ذلك لا يحمل المشهد معنى سلبيًا قاطعًا، فهو دعوة إلى التمهل.
أما المتقدم في السن فقد تدل الصورة على نسيان يومي بسيط يشغل الذهن وحنين إلى هدوء مضى. وأما الشاب فقد تعبر عن حيرة بين خيارات كثيرة ورغبة في وضوح أكبر. وأما المرأة المنشغلة بأسرتها فقد تشير إلى كثرة ما يشغل بالها حتى تضيع أحيانًا أبسط التفاصيل. وقد يجد المسافر في الصورة انعكاسًا لانشغال التنقل وكثرة الأغراض.
وللتفاصيل أثر في القراءة، فالمكان الذي تُفقد فيه الشمعة قد يضيف معنى، فالبيت يوحي بأمور شخصية، والعمل يوحي بمهام مهنية. والضوء الخافت في المكان قد يوحي بأن الأمر يحتاج إلى وضوح أكبر، والمكان المضاء قد يوحي بأن الحل قريب. وإذا كانت الشمعة صغيرة فالأمر قد يكون يسيرًا، وإذا كانت كبيرة فقد يرتبط بأمر أهم لدى الرائي. وإذا كان معه من يساعده في البحث فقد يدل ذلك على أن عنده من يسانده. وكثيرًا ما يستيقظ الإنسان فيجد أن الأمر لا يعدو صورة عابرة من صور الذهن المزدحم. وتبقى هذه التفاصيل كلها تقريبية تختلف من شخص إلى آخر بحسب ما يعيشه.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى ترتيب المكان والأفكار، فتدوين المهام وتخصيص مكان ثابت للأشياء المهمة يخفف التشتت. وقد يفيد التنفس العميق وبضع دقائق من الهدوء قبل النوم. وعند استعمال الشموع الحقيقية فالسلامة أمر عملي، فتُحفظ في مكان معروف وتوضع في حامل ثابت وتُطفأ قبل مغادرة الغرفة. وليس الحلم نصيحة طبية ولا نفسية، وإذا استمر التشتت أو القلق فاستشارة مختص أمر مفيد.
وما ذُكر هنا كله اجتهاد بشري ظني، والغيب لا يعلمه إلا الله. ومن الحسن أن يحسن الرائي الظن بالله وأن يدعو بالطمأنينة وبراحة البال. وإذا رأى في الحلم دعوة إلى التمهل فليأخذ يومه بهدوء وليرتب أمره خطوة بعد خطوة. وإن لم يتبين له معنى فلا داعي إلى الانشغال به.
