قد يرى الإنسان الشمعة في أحلامه مرة بعد مرة، فيتساءل عن سبب تكرارها ومعناها. الرؤيا في أصلها رمزية، وتفسيرها اجتهاد قائم على التأمل والتشبيه لا على اليقين. وتختلف معاني هذا التكرار باختلاف حال الرائي وما يمر به في حياته. ولذلك تُعرض المعاني التالية على أنها احتمالات رمزية قد تصدق وقد لا تصدق. وليس فيها خبر مؤكد عن الغد، ولا وعد بشيء، ولا إنذار بشيء.
الشمعة في التأويل ضوء صغير يقف في وجه العتمة بثبات هادئ، ولذلك ارتبطت بالأمل والدفء والطمأنينة. وتكرارها في الأحلام قد يُقرأ رمزًا لفكرة أو شعور يشغل الذهن ويعود إليه مرارًا. وتحمل الشمعة معنى العطاء، لأنها تذوب شيئًا فشيئًا لتمنح غيرها الضوء، فيُقرأ فيها الجهد الذي يستهلك صاحبه. وتحمل أيضًا معنى الصبر، فهي تضيء على مهل ولا تستعجل. ويبقى كل ذلك احتمالًا لا جزمًا.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن الضوء الهادئ في المنام يدل على خير وانفتاح، وأن اضطرابه يدل على انشغال أو قلق. ولا يمكن الجزم بدقة هذا النسب، فكتب التعبير تداخلت فيها الأقوال عبر القرون وتعددت نسخها. والأولى أخذ هذه الأقوال على سبيل الاستئناس لا على سبيل القطع. فالمعنى الواحد قد يُحمل على وجوه كثيرة بحسب حال الرائي وما يجري في حياته. ولذلك لا يصح تعميم عبارة واحدة على كل من تتكرر عنده هذه الرؤيا.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الضوء الهادئ في الحلم قد يشير إلى وضوح في الرأي أو انفراج في الهم، وهذا من باب التفاؤل في التعبير. وفي المقابل ذهب غيره إلى أن تكرار المشهد في الأحلام يدل غالبًا على أمر يشغل بال الرائي ويحتاج إلى تأمل. وبين هذين القولين مساحة واسعة لاختلاف المفسرين، ولا يوجد قول واحد متفق عليه بينهم. ولهذا يحسن أن يقرأ الرائي المعاني بمرونة، فيأخذ منها ما يطمئنه ويترك ما لا يناسبه. وكل قول من هذه الأقوال يبقى رأيًا بشريًا قابلًا للأخذ والرد.
للسياق أثر كبير في فهم هذه الرؤيا. فالشمعة المتكررة في مكان هادئ تختلف في دلالتها عن شمعة تتكرر في مكان مزدحم. ومكان ظهورها مهم أيضًا، فإن تكرر في غرفة مألوفة فهو يُقرأ بمعنى مختلف عن تكرره في مكان غريب لا يعرفه الرائي. كما أن شعور الرائي في كل مرة، من طمأنينة أو ارتباك، يُعد مفتاحًا للتأويل أكثر من شكل الشمعة نفسه. وكذلك الفترة التي تتكرر فيها الرؤيا، فقد تتزامن مع مرحلة من الضغط أو التغيير.
في هذا التكرار قد تعكس الشمعة حاجة نفسية إلى الطمأنينة تعود إلى الذهن كلما اشتد التعب. وقد تعبر عن فكرة أو شعور لم يأخذ حقه من الانتباه. وقد يدل التكرار على أن النفس تحب هذا المشهد وتعود إليه لأنه يريحها. ويُقرأ أحيانًا معنى الدعوة اللطيفة إلى الاهتمام بما يشغل الخاطر. ولا يصح أن يُفسر التكرار بوعد أو إنذار، فهو رمز لحال شعورية فحسب.
وللتفاصيل دور في التأويل. فإن كانت الشمعة في كل مرة هادئة اللهب فقد يوحي ذلك باستقرار نفسي وراحة بال. وإن كانت تختلف من مرة إلى أخرى فقد يدل ذلك على تقلب المشاعر، دون جزم. وإن زاد الإحساس بالدفء مع التكرار فقد يُقرأ ذلك بمعنى ازدياد الطمأنينة، وإن زاد القلق فقد يُقرأ بمعنى الحاجة إلى دعم. وكلها قراءات رمزية تحتمل الصواب والخطأ، ولا تصلح أساسًا لقرار.
ومن الزاوية النفسية فإن الأحلام كثيرًا ما تعيد ترتيب مشاعر النهار وأفكاره. وتكرار الصورة نفسها قد يحدث حين يعود الذهن إلى الفكرة نفسها قبل النوم أو حين يتأثر بمشاهد رآها في يومه. وقد يكون تكرار الشمعة انعكاسًا لحاجة الإنسان إلى الهدوء والأمل. وربما كان صورة لرغبته في أن يمنح نفسه راحة منتظمة. وهذه قراءة عامة لا تغني عن تأمل حال الرائي الحقيقي.
ومن الناحية العملية يمكن للرائي أن يتعامل مع الحلم بهدوء، فيدون ما يراه ومتى يراه وما شعر به بعده. وقد يفيده أن ينظم نومه وأن يخفف الشاشات قبله وأن يتكلم مع صديق أو قريب يثق به إن أراد. وليس في الحلم نصيحة طبية أو نفسية، فإذا رافقه قلق مستمر أو اضطراب في النوم يتكرر فالأنسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل. ويكفي أن يكون الحلم دافعًا إلى العناية بالراحة والنوم. أما ما يتجاوز ذلك فلا يُبنى عليه.
هذا كله اجتهاد بشري ظني، وقد يصيب وقد يخطئ، ولا يُعتمد عليه في قرار ولا في توقع أمر. يُسأل الله أن يجعل كل رؤيا خيرًا وأن يملأ القلب طمأنينة وحسن ظن به. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الرائي إلا أن يحسن الظن بربه ويأخذ بالأسباب. اللهم اجعل ما رآه هذا الرائي سكينة لقلبه وراحة لنومه.
