قد يرى الإنسان في المنام شمعة مضاءة ثم تعقبها ابتسامة، منه أو من شخص حاضر في المشهد، فيستيقظ وفي نفسه بشاشة. الرؤيا في أصلها رمزية، وتفسيرها اجتهاد قائم على التأمل والتشبيه لا على اليقين. وتختلف معاني هذا المشهد باختلاف حال الرائي وما يمر به في حياته. ولذلك تُعرض المعاني التالية على أنها احتمالات رمزية قد تصدق وقد لا تصدق. وليس فيها خبر مؤكد عن الغد، ولا وعد بشيء، ولا اتهام لأحد أو مدح له.
الشمعة في التأويل ضوء صغير يقف في وجه العتمة بثبات هادئ، ولذلك ارتبطت بالأمل والدفء والطمأنينة. والابتسامة في لغة الرؤى كثيرًا ما تُقرأ رمزًا للود والانشراح وصفاء النفس، فإذا جاءت بعد الشمعة اجتمع الدفء والبشاشة في مشهد واحد. وتحمل الشمعة معنى العطاء، لأنها تذوب شيئًا فشيئًا لتمنح غيرها الضوء، فيُقرأ فيها الجهد الذي يستهلك صاحبه. وتحمل أيضًا معنى الصبر، فهي تضيء على مهل ولا تستعجل. ويبقى كل ذلك احتمالًا لا جزمًا.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن الضوء الهادئ في المنام يدل على خير وانفتاح، وأن اضطرابه يدل على انشغال أو قلق. ولا يمكن الجزم بدقة هذا النسب، فكتب التعبير تداخلت فيها الأقوال عبر القرون وتعددت نسخها. والأولى أخذ هذه الأقوال على سبيل الاستئناس لا على سبيل القطع. فالابتسامة في الحلم قد تعبر عن حال نفسية مريحة لا أكثر. ولذلك لا يصح تعميم عبارة واحدة على كل من يرى هذا المشهد.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الضوء الهادئ في الحلم قد يشير إلى وضوح في الرأي أو انفراج في الهم، وهذا من باب التفاؤل في التعبير. وفي المقابل ذهب غيره إلى أن ما يظهر من تعابير الوجوه في الأحلام يُقرأ بحسب شعور الرائي وعلاقته بمن يراه. وبين هذين القولين مساحة واسعة لاختلاف المفسرين، ولا يوجد قول واحد متفق عليه بينهم. ولهذا يحسن أن يقرأ الرائي المعاني بمرونة، فيأخذ منها ما يطمئنه ويترك ما لا يناسبه. وكل قول من هذه الأقوال يبقى رأيًا بشريًا قابلًا للأخذ والرد.
للسياق أثر كبير في فهم هذه الرؤيا. فالابتسامة التي تأتي بعد شمعة في مكان هادئ تختلف في دلالتها عن ابتسامة وسط ازدحام. ومكان الشمعة مهم أيضًا، فوجودها في غرفة مألوفة يُقرأ بمعنى مختلف عن وجودها في مكان غريب لا يعرفه الرائي. كما أن صاحب الابتسامة، سواء كان الرائي نفسه أو شخصًا يعرفه أو وجهًا لا يتذكره، يُغير في المعنى. وكذلك شعور الرائي عند رؤيتها، فهو مفتاح للتأويل أكثر من شكل الشمعة نفسه.
في هذا المشهد قد تعكس الشمعة وما تلاها من ابتسامة حاجة نفسية إلى البشاشة والأنس. وقد تعبر عن رضا هادئ أو فرح صغير يسكن القلب. وقد يدل المشهد على اشتياق إلى أجواء ودودة وإلى من يستقبل الإنسان بوجه طيب. ويُقرأ أحيانًا معنى أن الدفء الإنساني يبدأ بخطوات صغيرة لطيفة. ولا يصح أن يُفسر هذا المشهد بوعد بتحقق أمر محدد، ولا يُبنى على ابتسامة شخص ما حكاية عنه.
وللتفاصيل دور في التأويل. فإن كانت الابتسامة هادئة صافية فقد يوحي ذلك باستقرار نفسي وراحة بال. وإن كانت مترددة أو غامضة فقد يدل على شعور ممزوج، دون جزم. وإن كانت الابتسامة من الرائي نفسه فقد تُقرأ بمعنى رضا داخلي، وإن كانت من غيره فقد تُقرأ بمعنى حاجة إلى الود. وكلها قراءات رمزية تحتمل الصواب والخطأ، ولا تصلح أساسًا لقرار.
ومن الزاوية النفسية فإن الأحلام كثيرًا ما تعيد ترتيب مشاعر النهار وأفكاره. وقد تظهر الابتسامة في الحلم حين يكون الذهن قد تأثر بمشهد لطيف في يومه أو حين تشتاق النفس إلى الأنس. وقد يكون اجتماع الشمعة والابتسامة انعكاسًا لحاجة الإنسان إلى الدفء الاجتماعي. وربما كان صورة لرغبته في أن يُستقبل بلطف. وهذه قراءة عامة لا تغني عن تأمل حال الرائي الحقيقي.
ومن الناحية العملية يمكن للرائي أن يتعامل مع الحلم بهدوء، فيتأمل ما أحبه فيه وما أبهجه منه. وقد يفيده أن يمنح من حوله ابتسامة ولطفًا في يومه، وأن يتكلم مع صديق أو قريب يثق به إن أراد. وليس في الحلم نصيحة طبية أو نفسية، فإذا رافقه قلق مستمر أو ضيق يتكرر فالأنسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل. ويكفي أن يكون الحلم دافعًا إلى نشر البشاشة والأنس. أما ما يتجاوز ذلك فلا يُبنى عليه.
هذا كله اجتهاد بشري ظني، وقد يصيب وقد يخطئ، ولا يُعتمد عليه في قرار ولا في توقع أمر. يُسأل الله أن يجعل كل رؤيا خيرًا وأن يملأ القلب طمأنينة وحسن ظن به. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الرائي إلا أن يحسن الظن بربه ويأخذ بالأسباب. اللهم اجعل ما رآه هذا الرائي بشاشة لقلبه وسكينة لأيامه.
