حين يرى النائم نفسه خلف مقود السيارة يقودها، فهو في الحلم صاحب القرار في الاتجاه والسرعة. وهذه من أكثر صور السيارة شيوعًا، وتحمل في الغالب إحساسًا قويًا بالمسؤولية أو بالقدرة. والرؤيا رمزية لا حرفية، فليست إخبارًا عن رحلة ولا عن حدث بعينه، وإنما هي لغة الصور التي يعبّر بها العقل عما يشغله. ومن المفيد أن ينظر الرائي إلى شعوره أثناء القيادة، هل كان واثقًا أم متوترًا أم مستمتعًا. فهذا الشعور هو أقرب مفاتيح الفهم.
السيارة عمومًا رمز للتنقل بين مراحل الحياة، والقيادة تضيف إليها معنى المبادرة وتحمل المسؤولية واختيار الوجهة. فمن يقود يمسك بزمام أمره، ويقرر متى يتسارع ومتى يتمهل ومتى يتوقف. وقد تعبّر القيادة كذلك عن الاستقلالية والطموح والرغبة في بلوغ هدف. وقد تدل على مرحلة يشعر فيها الرائي بأنه يوجه حياته بيده. وكل ذلك قراءة محتملة لا قطعية.
نُسب إلى ابن سيرين في باب المركوب أن من ركب دابة وساقها قد يدل على تولي أمر والقدرة على تدبيره بحسب حال الدابة وسهولة قيادتها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن القائد في الرؤيا قد يعبّر عن صاحب الأمر في شأنه. غير أن السيارة بشكلها المعاصر لم تكن موجودة في زمنهما، وما يُروى عنهما في المركوب والسفر يُقاس عليه قياسًا مع اختلاف الآراء بين المفسرين. فيكون الاستئناس بذلك اجتهادًا لا قاعدة.
أثر السياق واضح. فإن كان الرائي يقود في طريق واضح وهو مطمئن فقد يعبّر ذلك عن ثقة بالنفس ووضوح في الهدف، وإن كان يتردد عند التقاطعات فقد يعكس حيرة بين خيارين. وإن كان معه ركاب فقد يدل ذلك على مسؤوليته عن غيره، وإن كان وحده فقد يعبّر عن اعتماد على النفس. وإن كان يعرف وجهته فقد يدل ذلك على وضوح الخطة، وإن كان لا يعرفها فقد يعبّر عن بحث عن اتجاه. وتتغير المعاني بحسب المشهد.
وللفتاة العزباء قد تعكس القيادة رغبة في الاستقلال واتخاذ قرارات حياتها بنفسها، وفي بناء ثقة أكبر بقدراتها. وقد تدل على مرحلة تتعلم فيها كيف توازن بين رغباتها ومسؤولياتها. وإن كانت متوترة أثناء القيادة فقد يعبّر ذلك عن خوف من تبعات القرار. ولا يُبنى على هذه الرؤيا قرار مصيري في الارتباط أو غيره، فهي انعكاس نفسي فحسب.
وللمرأة المتزوجة قد تعبّر القيادة عن إدارتها لشؤون بيتها وأسرتها، وعن إحساسها بأنها هي من يوجه دفة الأمور في كثير من التفاصيل. وقد تدل على حاجتها إلى مساحة تقرر فيها لنفسها. وإن كان أولادها معها فقد يعكس ذلك مسؤوليتها عن رعايتهم. وقد تكون كذلك صورة لرغبة في الاستقلال ببعض الأمور. وهي كلها رموز لا تجزم بشيء.
وللرجل قد ترتبط القيادة بدوره في الأسرة والعمل، وبمسؤوليته عن اتخاذ القرارات وتوجيه الأمور. وقد تعبّر عن رغبته في الإمساك بزمام أموره وتنظيمها. وليست الرؤيا نصيحة مالية أو قانونية ولا ضمانًا لنجاح، ولا يُتخذ بسببها قرار مصيري. وإن شعر بالتعب منها فقد يعبّر عن حاجته إلى استراحة وإلى من يشاركه الحمل. وفي كل حال هي قراءة رمزية.
ومن التفاصيل الدقيقة نوع الطريق وحالة الطقس والوقت من اليوم وسرعة السيارة ومن يجلس بجوار الرائي. فالطريق المستقيم قد يعبّر عن وضوح، والمتعرج قد يعبّر عن تقلب في الخيارات. والسرعة المناسبة قد تعبّر عن توازن، والإفراط فيها أو البطء الشديد قد يعبّر عن استعجال أو تردد. وكذلك فإن الأصوات والإضاءة والزجاج الأمامي قد تضيف دلالات تتعلق بوضوح الرؤية في الأمور. وتُقرأ كلها في ضوء حال الرائي.
من الجانب العملي والنفسي، قد تكون الرؤيا دعوة إلى مراجعة اتجاه الحياة، وكتابة الأهداف القريبة والبعيدة، وتحديد ما يستحق السرعة وما يستحق التمهل. ويحسن أن يعطي نفسه فترات راحة منتظمة وألا يترك الضغط يتراكم. وفي القيادة الحقيقية يجب ربط حزام الأمان والالتزام بالسرعة المناسبة وعدم القيادة مع التعب أو النعاس. والحلم ليس نصيحة طبية أو قانونية أو مالية، ومن استمر معه قلق شديد فليتواصل مع مختص أو أحد أهله الموثوقين.
وفي الختام فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يتحول إلى جزم أو خوف. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما التفسير إلا قراءة لرموز النفس. فليحسن الرائي الظن بربه، وليكثر من الدعاء بأن يهديه إلى ما فيه الخير في شؤونه ويبارك له في سعيه. ثم ليمض في حياته مطمئنًا آخذًا بالأسباب.
