قد يرى النائم نفسه يقود سيارته في طريق فارغ تمامًا، لا سيارات أمامه ولا خلفه ولا أحد على جانبيه. والرؤيا رمزية لا حرفية، فهي ليست إخبارًا عن موقف قادم ولا عن حال بعينها، وإنما هي صورة يستعيرها العقل ليعبّر عن إحساس داخلي. والطريق الفارغ في الأحلام قد يرتبط بالحرية والانطلاق والصفاء، وقد يرتبط كذلك بالوحدة أو بغياب الرفقة. ولذلك فإن أهم ما يُنظر إليه هو شعور الرائي، هل كان مرتاحًا لهذا الفراغ أم موحشًا. ومن هذا الشعور تتحدد القراءة الأقرب.
السيارة عمومًا رمز للتنقل بين مراحل الحياة وللتوجيه واختيار الاتجاه والسرعة، وللاستقلالية والمسؤولية والطموح. والطريق الفارغ يضيف إليها معنى الانفراد بالمسار وخلوه من المزاحمة، أي أن الرائي صاحب الاختيار الكامل في وجهته. وقد يعبّر عن مرحلة هادئة فيها مساحة للتأمل، أو عن شعور بأنه يسير وحده دون رفقة. وقد يدل كذلك على بداية طريق جديد لم يسلكه أحد قبله. وكل ذلك قراءة محتملة لا قطعية.
نُسب إلى ابن سيرين في باب السفر أن الطريق الخالي قد يدل على خلوة أو انفراد أو سفر لا رفيق فيه، وقد يُفسَّر أحيانًا بسهولة السير وقلة العوائق بحسب سياق الرؤيا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معان قريبة تتصل بالانفراد وخلو الطريق من الناس. غير أن السيارة بشكلها المعاصر لم تكن موجودة في زمنهما، وما يُروى عنهما في المركوب والسفر يُقاس عليه قياسًا مع اختلاف الآراء. فيكون الاستئناس بذلك على سبيل الاجتهاد.
للسياق أثر كبير. فإن كان الطريق الفارغ مشمسًا ومريحًا فقد يعبّر ذلك عن حرية وانطلاق وصفاء، وإن كان مظلمًا موحشًا فقد يعكس شعورًا بالوحدة أو الحيرة. وإن كان الرائي يقود بثقة فقد يدل على استقلال وقدرة على اختيار وجهته، وإن كان يتلفت حوله فقد يعبّر عن بحث عن رفقة أو إرشاد. وإن كان الطريق ينتهي إلى مكان معلوم فقد يعبّر عن وضوح الهدف. وتختلف المعاني بحسب المشهد.
وللفتاة العزباء قد تعكس القيادة في طريق فارغ مرحلة من الاستقلال والتأمل تحتاجها لتتعرف على نفسها وأهدافها. وقد تدل على شعور بالانفراد في بعض قراراتها أو بالرغبة في هدوء بعيد عن الآراء المتزاحمة. وإن كانت مرتاحة فقد يعبّر ذلك عن ثقة بالنفس، وإن كانت موحشة فقد يعبّر عن حاجتها إلى قرب من الأحبة. ولا يُبنى على الرؤيا قرار مصيري، فهي صورة تعبّر عن حال النفس.
وللمرأة المتزوجة قد تعبّر القيادة في طريق فارغ عن حاجتها إلى وقت خاص بعيد عن ضجيج البيت ومطالبه. وقد تدل على رغبة في فسحة تستعيد فيها نشاطها وتفكر بهدوء. وإن شعرت بالوحدة فقد يعكس ذلك اشتياقها إلى مزيد من التواصل مع من تحب. وهي كلها رموز نفسية لا تخبر عن غيب.
وللرجل قد ترتبط القيادة في طريق فارغ برغبته في الاستقلال في عمله أو قراره، أو بمرحلة تأمل في مساره. وقد تعبّر عن ارتياح لغياب المنافسة أو عن شعور بأنه يمضي وحده في مسألة ما. وليست الرؤيا نصيحة مالية أو قانونية، ولا يُتخذ بسببها قرار مصيري. وإن كان يشعر بالوحدة فقد تدل الصورة على حاجته إلى رفقة صالحة وإلى تواصل أكبر. وفي كل حال هي قراءة رمزية.
ومن التفاصيل الدقيقة لون السماء ووقت اليوم، وهل كان الطريق مستقيمًا أم ملتويًا، وهل كان الرائي يسمع شيئًا هادئًا، وهل ظهر في آخر الطريق شيء. فإن كان الوقت فجرًا فقد يعبّر ذلك عن بداية هادئة، وإن كان ليلًا فقد يعبّر عن تأمل أو غموض. وإن ظهر في آخر الطريق بيت أو مدينة فقد يعبّر ذلك عن وضوح الغاية، وإن لم يظهر شيء فقد يعبّر عن مسار مفتوح. وتُقرأ هذه التفاصيل كلها مع حال الرائي.
من الناحية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا دعوة إلى الاستفادة من فترات الهدوء في التفكير والتخطيط، وإلى الموازنة بين الاستقلال والتواصل مع الآخرين. ويحسن أن يحرص على صلة أهله وأصحابه وألا يتحول الانفراد إلى عزلة. وفي القيادة الحقيقية في الطرق الخالية يجب عدم الإفراط في السرعة لمجرد أن الطريق فارغ، وربط حزام الأمان وعدم القيادة مع التعب أو النعاس. والحلم ليس نصيحة طبية أو قانونية أو مالية، ومن استمر معه قلق شديد فليتواصل مع مختص أو أحد أهله الموثوقين.
وفي الختام فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يتحول إلى جزم أو خوف. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما التفسير إلا قراءة لرموز النفس. فليحسن الرائي الظن بربه، وليكثر من الدعاء بأن يرزقه الأنس بالطيبين والطمأنينة في خلوته. ثم ليمض في طريقه مطمئنًا آخذًا بالأسباب.
