قد يرى المسافر السيارة في منامه، وغالبًا ما تتصل الصورة بما يعيشه من تنقل وطرق وترقب للوصول أو للعودة. والرؤيا رمزية وليست مشهدًا حرفيًا، فلا يصح أن تُقرأ كأنها خبر عن رحلته أو عن موعد وصوله. وقد تكون صدى لانشغالات النهار وما يدور في الذهن من ترتيبات وشوق. ومن الأفضل أن يتأمل الرائي الحلم بهدوء وينظر في صلته بحاله. وما يلي احتمالات عامة تتبدل بتبدل الظروف والتفاصيل.
السيارة ترمز في الغالب إلى مسار الحياة والانتقال بين المراحل، وإلى القدرة على اختيار الاتجاه وضبط السرعة. وهي تدل كذلك على الاستقلالية وتحمل المسؤولية والطموح. وللمسافر قد تتضاعف هذه المعاني، لأن الحركة جزء من واقعه اليومي. وقد توحي السيارة الماضية في طريق مفتوح بالانطلاق، والواقفة بحاجة إلى استراحة. وكل ذلك دلالات عامة لا يصح الجزم بها.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الدواب المركوبة والسفر أن المركوب في الرؤيا يدل على حال صاحبه وسعيه ومنزلته، وأن حسن السير دليل على استقامة الأمر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المركوب يرمز إلى الوسيلة التي يبلغ بها المرء مقصده. والسيارة بشكلها المعاصر لم تكن موجودة في زمنهم، فما يُنسب إليهم في المركوب والسفر يُقاس عليه قياسًا مع اختلاف الآراء. ويتسع بعض المعبّرين في هذا القياس ويضيّق آخرون. فهو اجتهاد يُستأنس به ولا يُبنى عليه قرار.
يتغير المعنى بحسب السياق. فإن كان المسافر في بداية رحلته فقد تعكس السيارة ترقبه وما يخطط له. وإن كان في منتصفها فقد تعبّر عن تعب الطريق ورغبته في الراحة. وإن كان على وشك العودة فقد تعكس شوقه إلى أهله وبلده. ويفيده أن يستحضر شعوره داخل الحلم، أكان طمأنينة أم استعجالًا، فهو غالبًا أصدق من الصورة.
إذا رأى المسافر نفسه يقود سيارة على طريق ممتد فقد يعبّر ذلك عن شعوره بأنه ماضٍ في وجهة معلومة، أو عن رغبته في ضبط تفاصيل رحلته. وقد يعكس أيضًا انشغاله بالمسافة وما تبقى منها. وإن كانت القيادة مرتبكة فقد يرمز ذلك إلى تعب الترحال وكثرة الترتيبات. ولا يصح اعتبار شيء من ذلك إخبارًا عن حال الطريق الحقيقي. فهو تعبير رمزي عن الشعور فحسب.
وإن رأى نفسه راكبًا وغيره يقود فقد يرمز ذلك إلى اعتماده على من يرافقه أو يرتب له أمره، أو إلى رغبته في الراحة من عناء القرار. وإن رأى سيارة تنتظره في محطة أو أمام بيت فقد يعبّر ذلك عن شوقه إلى الاستقرار. وإن رأى سيارة تضل الطريق فقد يعكس قلقًا مألوفًا من الغربة أو التيه. ولا يصح اتهام أحد بسبب مشهد منام. والأفضل أن يُستفاد منه في التأمل الهادئ.
وللتفاصيل الصغيرة أثر في المعنى. فالسيارة النظيفة قد توحي بالترتيب، والمثقلة بالأمتعة بكثرة ما يحمله من هموم وأغراض. والطريق المضاء قد يوحي بالوضوح، والمظلم بقلة اليقين. وقد يعبّر الوقوف عند نقطة تفتيش أو إشارة عن حاجة إلى الصبر. ومن المفيد تدوين الحلم عند الاستيقاظ لأن تفاصيله تتلاشى سريعًا.
وكثيرًا ما تأتي هذه الرؤيا في فترات التنقل الكثير، حين تتبدل الأمكنة وتختلف مواعيد النوم والأكل ويكثر التفكير في الوجهة. وفي هذه الفترات يستحضر العقل صور الطرق والمركبات للتعبير عن الانشغال. ولذلك قد تكون السيارة انعكاسًا لواقع الترحال لا بشارة ولا تحذيرًا. والاطمئنان إلى هذه القراءة يخفف التفكير الزائد في الحلم. وقد يتذكر المسافر عندها أن كل طريق، مهما طال، يُقطع مرحلة بعد مرحلة، وأن الاستراحة بين المراحل جزء من الرحلة نفسها. وهذا معنى من باب التأمل العام وليس إخبارًا عن شيء.
من الناحية العملية والنفسية، قد يفيد الحلم في تذكير المسافر بتنظيم رحلته وأخذ فترات راحة كافية وعدم إرهاق نفسه. والاهتمام بالسلامة في الطريق من ربط الحزام والتزام السرعة المناسبة وعدم القيادة مع التعب أمر واقعي ومستحسن دائمًا دون خوف من الحلم. والحلم ليس نصيحة طبية أو قانونية أو مالية، ولا يُبنى عليه قرار بشأن السفر. وإن رافقه قلق شديد مستمر فالأولى الكلام مع مختص أو أحد الأهل الموثوقين.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُجعل أساسًا لقرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يدعو ربه بالتيسير وحسن العاقبة وأن يُحسن الظن به سبحانه، مع الأخذ بالأسباب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما التفسير إلا محاولة لفهم الرموز. فليمضِ في طريقه بقلب مطمئن وأمل طيب.
