قد يرى الإنسان في منامه كرسيًا كان أمامه ثم يختفي فجأة دون سبب، فيستيقظ وفي نفسه شيء من الحيرة. وهذا المشهد من الصور التي تتكرر في الأحلام، لأن الذهن ينقل الأشياء ويبدلها بلا قيود الواقع. والرؤيا في أصلها صورة رمزية لا تُقرأ على ظاهرها ولا يُبنى عليها يقين. وفيما يلي عرض هادئ لما قد تدل عليه، مع التذكير بأن التعبير اجتهاد ظني يختلف باختلاف الأحوال. وليقرأه الرائي بقلب مطمئن دون خوف من تفاصيله.
الكرسي في الرموز يرتبط بالموضع والمكانة والاستقرار والانتظار والدور الذي يؤديه الإنسان في أسرته أو عمله. واختفاؤه المفاجئ قد يعبر عن شعور بأن شيئًا مألوفًا يتغير أو يتبدل في حياة الرائي. وقد يعبر عن قلق من فقدان سند أو مكان اعتاد عليه، وقد يكون مجرد صورة لانتهاء مرحلة وبداية أخرى. وليس في هذه المعاني جزم بأمر واقع، فهي احتمالات تتبدل بتبدل حال الرائي. والأهم أن يفهم ما يشعر به قبل أن يبحث عن معنى خارجي.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما تناقله أهل التعبير أن زوال الشيء في المنام قد يشير إلى تحول في ما يرمز إليه، وأن الكرسي إذا زال فقد يتصل ذلك بتبدل في المنزلة أو الموضع. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يفقده الإنسان من متاعه في المنام قد يدل على تغير في أمر يتعلق به، دون تحديد دقيق. ومن أهل التعبير من فسر الاختفاء بانتقال الحال من وضع إلى وضع، ومنهم من جعله دليل قلق نفسي فحسب. وهذا الاختلاف يبين أن الأقوال متعددة وأن لا قول منها يُعد فاصلًا. فالنظر في واقع الرائي أولى من التمسك بنقل واحد.
يتغير الفهم بتغير السياق، فمن كان على أبواب انتقال أو تغيير وظيفة قد يرى الكرسي المختفي تعبيرًا عن ترقبه. ومن فقد عادة أو جلسة مألوفة قد يراه صدى لهذا الفقد. ومن غاب عنه أحد أقاربه قد يراه شوقًا إلى مجلسه القديم. ومن لا يعيش تغييرًا واضحًا قد يراه ناتجًا عن مشهد عابر في اليوم السابق. ومشاعر الرائي عند الاختفاء، هل هي حيرة أم خوف أم استسلام هادئ، من أقوى القرائن على المعنى.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي، فالموظف قد يعبر الحلم عنده عن قلق من تغيير في مهامه. والأم قد يعبر عندها عن كبر الأبناء واستقلالهم وتبدل دورها. والطالب قد يعبر عنده عن انتهاء مرحلة دراسية. والمسافر قد يعبر عنده عن ترك مكان ألفه. وكبير السن قد يعبر عنده عن تبدل الأدوار بين أولاده وأحفاده. ولا يلزم من أي منها أن يقع أمر مكروه.
وللتفاصيل أثرها، فاختفاء الكرسي ببطء قد يميل إلى معنى التحول التدريجي، واختفاؤه بسرعة قد يميل إلى المفاجأة والدهشة. وإذا ظهر مكانه شيء آخر فقد يعبر ذلك عن بديل أو تغيير في الاهتمامات. وإذا بقي المكان فارغًا فقد يعبر عن فراغ يحتاج الرائي إلى ملئه بما ينفع. وإذا بحث الرائي عن الكرسي فقد يعبر ذلك عن تعلقه بما مضى. وهذه كلها قراءات احتمالية لا يُلزم بها أحد.
من الناحية النفسية، قد يكون الاختفاء تعبيرًا عن سؤال يدور في الداخل حول ما يثبت وما يتبدل في حياة الإنسان. ويفيد أن يتذكر الرائي أن التغيير سنة جارية، وأن كثيرًا مما يخشى المرء فقده يعوضه الله بخير لا نتوقعه. ويفيد أيضًا أن يتمسك بما لا يزول من خلقه وعلاقاته وعمله الصالح، فهذه أثبت من أي كرسي. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، وإذا صاحبه قلق شديد أو أرق متواصل فمن المناسب أن يتحدث مع مختص أو أحد الأهل. فالمشاركة تخفف الأثر.
ومن الحسن أن يجعل الرائي من الحلم فرصة لمراجعة هادئة لحياته، فيسأل نفسه ما الذي يتغير الآن وما الذي يريد المحافظة عليه. ثم يضع خطوات صغيرة لحماية ما يهمه من علاقات وأعمال دون توتر. وإذا كان الأمر مجرد صورة عابرة فلا حاجة إلى تحميلها أكثر من حجمها. وفي كلا الحالين يبقى الاطمئنان أنفع من القلق. ويكفي أن يحسن الإنسان عمله ويترك الباقي لتدبير الله.
ولا يحسن أن يفسر الرائي الاختفاء بأنه نذير بخسارة بعينها، فالأحلام لا تحدد ما يقع في الواقع. وقد يكون الحلم مجرد أثر لمشهد رآه في يومه أو فكرة مرت بباله قبل النوم. وإن شعر بالضيق فليذكر الله وليهدئ نفسه وليشغل وقته بما ينفع. ولا بأس أن يستشير من يثق به في أمر واقعي يقلقه، فهذا أنفع من التأويل. وهكذا ينتقل من الحيرة إلى العمل.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، وليس خبرًا عن مستقبل ولا تقييمًا لأحد. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يحزن الرائي لما رأى ولا يبني عليه ما لا يثبت. وليحسن الظن بربه، وليدعه بأن يحفظ عليه أهله ورزقه وطمأنينته. ومن أحسن الظن بالله وأخذ بالأسباب عاش أيامه بسكينة أكبر.
