قد يرى الإنسان في منامه كرسيًا يطير في الهواء، فيرتفع عن الأرض أو يحلق فوق المكان، فيستغرب المشهد ويتساءل عن معناه. والرؤيا رمزية في أصلها، وكثيرًا ما تأتي بصور خيالية تركبها مخيلة النائم من بقايا يومه وأمانيه. ولذلك يُفهم هذا المشهد صورة ذهنية رمزية لا أكثر، ولا يصح أن يُحمّل ما لا يحتمل. وفيما يلي بعض ما ذكره المفسرون من احتمالات، مع بيان أنها ظنية وأن الاختلاف بينهم قائم.
الكرسي في الرموز المتداولة يشير إلى المكانة والاستقرار والراحة والانتظار والدور في الأسرة أو العمل. والطيران في الأحلام يُفسَّر عند كثيرين بالارتفاع أو التخفف أو الرغبة في الانطلاق. وحين يجتمعان في كرسي طائر مال المعنى إلى رغبة في أن يتحرر المقام من ثقله، أو إلى أمنية بالارتقاء أو الانتقال، أو إلى شعور بأن الأمور ترتفع عن متناول الرائي. وليس في الصورة جزم بشيء، فالمعنى يتوقف على شعور الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن الارتفاع في الهواء يُفسَّر بحسب حال الرائي وما يصاحبه من خوف أو سرور، وأن السقوط بعده غير البقاء مرتفعًا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المقاعد ترتبط بالمقام والاستقرار، فيكون ارتفاعها إشارة إلى تغير فيهما. وهذه الأقوال تُروى متفرقة، ويختلف الشارحون في ضبطها وتطبيقها، ولا يُعرف لها ضابط ثابت. ولذلك تُقرأ على أنها أمثلة للنظر لا قواعد ملزمة.
ويتغير المعنى بتغير السياق. فإن كان الكرسي يطير بهدوء وسلاسة وشعر الرائي بالسعادة والخفة، مال المعنى إلى رغبة في التحرر من الأعباء أو أمل في أفق أوسع. وإن كان يطير بسرعة أو يهتز وشعر الرائي بالخوف، فقد يعبّر عن قلق من أمور تتغير فوق طاقته أو من ارتفاع سريع في التوقعات. وإن كان الرائي جالسًا عليه فقد يدل على انغماسه في التجربة، وإن كان ينظر إليه من الأرض فقد يدل على تأمل أو تطلع. ويحسن أن يتذكر الرائي ما شعر به حين رآه.
وللمرأة المتزوجة قد يشير الكرسي الطائر إلى رغبة في خفة من أعباء البيت، أو حلم بإجازة أو تغيير في الأجواء. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن طموح أو تطلع إلى مستقبل أرحب في دراسة أو عمل، دون وعد بشيء بعينه. وللرجل قد يرتبط برغبة في الارتقاء بمهنته أو التخفف من أعباء تثقله. وللمرأة الحامل قد تعكس الصورة شعورًا بالخفة والأمل وانشغالًا بما هي مقبلة عليه، وهي قراءة نفسية قريبة لا جزم فيها.
وللطالب قد يرمز الكرسي الطائر إلى أمنية بالتفوق أو الانتقال إلى مرحلة أعلى، أو إلى رغبة في التخلص من ضغط المذاكرة. وللموظف أو التاجر قد يدل على تطلع إلى توسع أو تطوير، أو إلى رغبة في الابتعاد عن روتين العمل. وللمسافر قد يعبّر عن شوق إلى الانطلاق والوصول. وللمتقاعد قد يشير إلى رغبة في استعادة خفة الأيام الأولى. وكل ذلك احتمالات متفاوتة بحسب حال الرائين.
ومن التفاصيل المهمة ارتفاع الكرسي وسرعته واتجاهه وما يحيط به. فالارتفاع القليل يوحي بطموح معتدل، والعالي جدًا يوحي بأمل كبير أو بعد عن الواقع، والاتجاه إلى السماء الصافية يوحي بانفتاح، والتحليق بين الغيوم المظلمة قد يوحي بتردد. وإن هبط الكرسي برفق فقد يدل ذلك على توازن بين الطموح والواقع، وإن سقط فقد يدل على قلق من الارتفاع السريع. كذلك لون الكرسي وحالته يضيفان معنى آخر. ولا يصح أن تُحمّل هذه التفاصيل أكثر مما تحتمل.
ومما يعين على حسن التعامل مع هذه الرؤيا أن يتذكر الرائي أن الطيران من أكثر صور الأحلام شيوعًا وأقربها إلى الخيال المحض. وقد يتأثر المشهد بما شاهده قبل النوم من أفلام أو رسوم متحركة أو ألعاب أو رحلات جوية. ولا بأس أن يدوّن ما رآه ثم يتركه، فالرؤى لا تُلزمه بشيء ولا يصح أن يُخيفه شيء منها. وكثيرًا ما يكون الطيران في الحلم تعبيرًا عن رغبة في الانطلاق لا أكثر.
ومن الزاوية العملية والنفسية قد يكون المشهد دعوة إلى سؤال الذات عما تتمنى أن تتخفف منه أو تنطلق إليه، وإلى وضع خطوة صغيرة واقعية نحو ذلك. وقد يفيد أن يمنح الرائي نفسه وقتًا للراحة والتأمل في مكان مفتوح هادئ. وكثيرًا ما تتشكل هذه الأحلام في أوقات الشوق إلى التغيير. ويحسن التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ومن أثقله القلق أو الخوف فالأولى أن يستشير مختصًا موثوقًا.
وخلاصة القول أن الكرسي الذي يطير صورة ذهنية رمزية تحتمل الرغبة في التخفف والانطلاق بحسب شعور الرائي. وما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار مصيري. وعلى الرائي أن يُحسن الظن بالله، وأن يدعو بالتيسير وصلاح الحال وطمأنينة القلب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو سبحانه أعلم بما ستؤول إليه الأمور.
