قد يرى الإنسان في منامه كرسيًا يتحرك وحده، فيزحف على الأرض أو يدور أو يبتعد أو يقترب، فيستغرب المشهد ويتساءل عن معناه. والرؤيا رمزية في أصلها، وكثيرًا ما تأتي بصور غير مألوفة تركبها مخيلة النائم من بقايا يومه وأفكاره. ولذلك يُفهم هذا المشهد صورة ذهنية رمزية لا أكثر، ولا يصح أن يُحمّل ما لا يحتمل. وفيما يلي بعض ما ذكره المفسرون من احتمالات، مع بيان أنها ظنية وأن الاختلاف بينهم قائم.
الكرسي في الرموز المتداولة يشير إلى المكانة والاستقرار والراحة والانتظار والدور في الأسرة أو العمل. وحين يتحرك وحده فكأن الاستقرار الذي يرمز إليه صار غير ثابت، فيميل المعنى عند كثيرين إلى تغيّر في الأمور أو تبدل في المكان والدور أو انتقال من حال إلى حال. وقد يدل المشهد كذلك على انشغال الرائي بأمر لم يستقر بعد، أو على شعور بأن الأشياء من حوله تتحرك أسرع مما يريد. وليس في الصورة جزم بشيء، فالمعنى يتوقف على شعور الرائي وهو يتأمل الكرسي.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن حركة المتاع في المنام تُحمل على تبدل أحوال صاحبه، وأن التحرك المنتظم غير التحرك المضطرب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المقاعد ترتبط بالمقام والاستقرار، فتحركها يُنسب إلى تغير فيهما. وهذه الأقوال تُروى متفرقة، ويختلف الشارحون في ضبطها وتطبيقها، ولا يُعرف لها ضابط ثابت. ولذلك تُقرأ على أنها أمثلة للنظر لا قواعد ملزمة.
ويتغير المعنى بتغير السياق. فإن كانت حركة الكرسي بطيئة هادئة وشعر الرائي بالفضول والسكينة، مال المعنى إلى تغيير لطيف تدريجي أو انتقال هادئ. وإن كانت سريعة مربكة وشعر بالخوف أو الدهشة، فقد يعبّر ذلك عن قلق من تغيرات سريعة أو من أمور لا يستطيع ضبطها. وإن كان الكرسي يتجه نحو الرائي فقد يدل على أمر يقترب من انتباهه، وإن كان يبتعد فقد يدل على أمر يريد أن يتركه. ويحسن أن يتذكر الرائي موضع الكرسي والاتجاه الذي تحرك إليه.
وللمرأة المتزوجة قد يشير الكرسي المتحرك إلى تغيير في ترتيب البيت أو في الروتين الأسري أو في موضعها من شؤونه. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن مرحلة انتقال في دراسة أو عمل أو سكن، دون وعد بشيء بعينه. وللرجل قد يرتبط بتبدل في عمله أو مسؤولياته أو أماكن إقامته. وللمرأة الحامل قد تعكس الصورة انشغالًا بما يتغير في حياتها من استعدادات وترتيبات، وهي قراءة نفسية قريبة لا جزم فيها.
وللطالب قد يرمز الكرسي المتحرك إلى تغير في المقعد الدراسي أو المدرسة أو الفصل أو نظام الجدول. وللموظف أو التاجر قد يدل على تغيير في مكان العمل أو في الإدارة أو في ترتيب المهام. وللمسافر قد يعبّر عن حركة الطريق نفسها وما فيها من تنقل وتبدل. وللمتقاعد قد يشير إلى تبدل إيقاع الأيام بعد انتهاء العمل. وكل ذلك احتمالات متفاوتة بحسب حال الرائين وظروفهم.
ومن التفاصيل المهمة طريقة الحركة وسرعتها وما حولها. فالانزلاق الهادئ يوحي بسلاسة التغيير، والاهتزاز يوحي بتوتر، والدوران يوحي بتكرار أمور أو تردد، والاقتراب أو الابتعاد يوحيان بقرب أمر أو بعده عن الرائي. وإن كان الرائي يتتبع الكرسي بنظره فقد يدل ذلك على اهتمام بأمر متغير، وإن كان يتجاهله فقد يدل على رغبة في عدم الانشغال به. كذلك لون الكرسي وحالته تضيفان معنى آخر. ولا يصح أن تُحمّل هذه التفاصيل أكثر مما تحتمل.
ومما يعين على حسن التعامل مع هذه الرؤيا أن يتذكر الرائي أن الأحلام كثيرًا ما تكسر قوانين الواقع، فتتحرك فيها الأشياء وتتغير أحجامها وأماكنها دون سبب. وهذا من طبيعة الحلم وليس بالضرورة دليلًا على معنى خاص. وقد يتأثر المشهد بما شاهده الرائي قبل النوم من أفلام أو رسوم متحركة أو ألعاب. ولا بأس أن يدوّن ما رآه ثم يتركه، فالرؤى لا تُلزمه بشيء ولا يصح أن يُخيفه شيء منها.
ومن الزاوية العملية والنفسية قد يكون المشهد دعوة إلى سؤال الذات عما يتغير في حياتها هذه الأيام، وهل هي مستعدة له، وهل يمكن أن تتهيأ بخطوات صغيرة ثابتة. وقد يفيد أن ترتب أولوياتها وتتمسك بما هو أساسي حتى تهدأ الأمور. وكثيرًا ما تتشكل هذه الأحلام في فترات الانتقال والتغيير. ويحسن التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ومن أثقله القلق أو الخوف فالأولى أن يستشير مختصًا موثوقًا.
وخلاصة القول أن الكرسي الذي يتحرك وحده صورة ذهنية رمزية تحتمل التغير والانتقال أو الانشغال بأمر لم يستقر بحسب شعور الرائي. وما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار مصيري. وعلى الرائي أن يُحسن الظن بالله، وأن يدعو بالتيسير وصلاح الحال وطمأنينة القلب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو سبحانه أعلم بما ستؤول إليه الأمور.
