كرسي المكتب في المنام يرتبط عند كثيرين بالعمل والمسؤوليات اليومية، ولذلك يكثر ظهوره في أحلام من يقضون ساعات طويلة بين الأوراق والشاشات. وهو في أصله رمز يحتمل أكثر من وجه، وقد يكون انعكاسًا لما يشغل الذهن في اليقظة. وكتب التعبير تضم اجتهادات متفاوتة لا تُعد قطعية. ولذلك يحسن التعامل مع هذه الرؤيا بهدوء وبعيدًا عن الاستعجال في الاستنتاج.
رمزية الكرسي تدور حول المكانة والاستقرار والراحة والانتظار والدور الذي يقوم به الشخص في أسرته أو عمله. وكرسي المكتب بخاصة يجمع ثلاثة معان محتملة: الالتزام بمهمة محددة، والجلوس الطويل في موضع واحد، وتحمل المسؤولية اليومية. وقد يدل على رغبة في تثبيت الأقدام في العمل أو الشعور بالانتماء إلى مكان. وقد يدل كذلك على ملل من الروتين أو رغبة في الخروج من الرتابة. ولا يصح الجزم بأحد هذه المعاني دون النظر إلى حال الرائي وتفاصيل الحلم.
نُسب إلى ابن سيرين أن الكرسي يدل على الموضع الذي يشغله الإنسان بين أهله أو في عمله، وأن متانته أو ضعفه يعكسان حال ذلك الموضع. وإن صح هذا فإن كرسي المكتب قد يُفهم عند بعض المعبرين على أنه إشارة إلى مقام الرائي في عمله وطبيعة علاقته بما يؤديه. غير أن كثيرًا من الأقوال المتداولة عن المعبرين القدامى لا يثبت نصها على وجه الدقة. ولذلك فهي تؤخذ على سبيل الاستئناس لا الاعتماد. ويبقى لحال الرائي ونيته وظروفه الأثر الأكبر في التعبير.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجلوس على الكرسي يتصل بالإقامة في أمر والاشتغال به، وأن هيئة الكرسي تدل على هيئة ذلك الأمر. ويفهم بعض الشراح من ذلك أن كرسي المكتب المرتب النظيف قد يشير إلى انتظام في العمل، وأن المختل أو المتسخ قد يشير إلى اضطراب فيه. وقال آخرون إن الصورة قد لا تتجاوز ما ألفه الرائي من مشاهد يومية في مكان عمله. وتعدد هذه الآراء دليل على سعة الباب. فلا ينبغي لأحد أن يحصر الرؤيا في قول واحد.
ولسياق الحلم أثر واضح في فهمه. فإن كان الكرسي في المكتب المعتاد للرائي فالأقرب أنه يعكس انشغاله بأعماله وما يدور في باله منها. وإن كان في مكتب غير معروف فقد يرتبط بترقب أمر جديد أو تفكير في تغيير مكان العمل أو طبيعته. وإن كان الرائي يجلس عليه براحة ونشاط فهذا غير شعوره بالإرهاق أو الضيق أثناء الجلوس. ووجود زملاء أو مدير في المشهد قد يضيف بعدًا يتعلق بالعلاقات في بيئة العمل، دون أن يكون في ذلك اتهام لأحد.
وتتفاوت الدلالة بحسب من يرى الرؤيا. فالموظف قد يرى فيها أثر ما يحمله من واجبات وتقدير لدوره. وصاحب المشروع قد تعكس له مسؤولية الإشراف على فريقه وترتيب شؤونه. والعاطل عن العمل أو الباحث عنه قد يعبر الكرسي عن رغبته في موضع يستقر فيه ويمارس دوره. أما ربة البيت فقد يمثل لها كرسي المكتب ما تديره من شؤون بيتها بنظام وترتيب. ولا يعني ذلك وعدًا بشيء بعينه، وإنما هي معانٍ محتملة تتناسب مع أحوال كل رائٍ.
وللتفاصيل مكانها في التعبير. فعجلات الكرسي وارتفاعه ومسنده تدل عند بعضهم على مدى مرونة الرائي وقدرته على التكيف في عمله. وإن كان المسند مريحًا فقد يوحي بشعور بالدعم، وإن كان صلبًا أو مكسورًا فقد يعكس شعورًا بقلة السند. ومكان وضع الكرسي أمام مكتب مرتب أو مكتظ بالأوراق يضيف معنى يتعلق بكثرة الأعباء أو تنظيمها. وإن رأى الرائي أن أحدًا غيره جلس على كرسيه فقد يرتبط الأمر بشعوره بالمنافسة أو بالحاجة إلى إثبات دوره. ويحسن تدوين هذه التفاصيل فور الاستيقاظ.
ومن الناحية العملية والنفسية قد يكون هذا الحلم انعكاسًا لساعات طويلة من الجلوس والانشغال بالعمل. ويمكن للرائي أن ينظم وقته وأن يجعل لنفسه فترات قصيرة للحركة والاستراحة بين المهام. وإن كان الحلم مصحوبًا بإرهاق متكرر في اليقظة فالأولى مراجعة أسلوب العمل وتخفيف الضغط ما أمكن. وليس الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ومن عانى من ألم مستمر في الظهر عند الجلوس الطويل فعليه أن يراجع طبيبًا مختصًا ولا يكتفي بتفسير الرؤيا. ومراجعة الطبيب تبقى أنفع من أي تأويل.
وخلاصة القول أن كرسي المكتب في المنام صورة تحتمل معاني الالتزام والعمل والمسؤولية اليومية، ولا يصح الجزم بوجه واحد منها. وكل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عن المستقبل. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالخير وأن يحسن الظن به سبحانه، وأن يؤدي عمله بإتقان وهدوء. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
