قد يرى الإنسان في منامه كرسيًا يلمع أمامه كأنه نُظف وصُقل للتو، فيستغرب من بريقه ويسأل عن معناه. ولمعان الأشياء في الأحلام أمر شائع، لأن الذهن يبرز ما يلفت نظره ويشغله. والرؤيا في أصلها صورة رمزية لا تُقرأ على ظاهرها ولا يُبنى عليها قرار. وفيما يلي عرض هادئ لما قد يعبر عنه هذا المشهد، مع التذكير بأن التعبير اجتهاد ظني. وليقرأه الرائي بصدر رحب ودون تكلف.
الكرسي في الرموز يرتبط بالمكانة والموضع والجلوس والانتظار والدور الذي يؤديه الإنسان. واللمعان قد يعبر عن العناية بهذا الموضع، أو عن اهتمام الرائي بشأن مكانته، أو عن رغبة في أن تكون صورته أمام الناس حسنة. وقد يعبر عن شعور بالنظافة والترتيب الداخلي بعد فترة اضطراب. وقد يكون أيضًا مجرد صورة لكرسي رآه في يومه لامعًا في معرض أو متجر. وهذه المعاني لا تُجزم، فهي تتبدل بتبدل حال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما تناقله أهل التعبير أن نظافة المتاع في المنام تدل على حسن الحال وصلاح الأمر، وأن اللمعان قد يُفسر بالجمال والزينة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشيء إذا بدا نظيفًا مصقولًا فقد يدل على حسن حال صاحبه في أمر يتعلق به، لكنه لا يجعل ذلك وعدًا. ومن أهل التعبير من حذر من الإفراط في الاعتماد على المظهر، فقد يشير البريق أحيانًا إلى الانشغال بالشكل. وهذا الاختلاف بين الأقوال يبين أن لا قاعدة ثابتة للحلم. فالرائي أعرف بحاله من أي نقل.
للسياق أثر كبير، فمن كان قد نظف بيته أو رتب مكتبه قد يرى الكرسي اللامع انعكاسًا لذلك. ومن يستعد لاستقبال ضيوف أو مناسبة قد يراه مرتبطًا بتحضيراته. ومن يهتم بمظهره أمام الناس قد يراه تعبيرًا عن هذا الاهتمام. ومن يخرج من فترة فوضى قد يراه علامة على رغبته في الصفاء. ومشاعر الرائي، هل هي ارتياح أم إعجاب أم حذر من البريق، تساعد على ترجيح الفهم.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي، فالمرأة المنشغلة بالبيت قد يعبر الحلم عندها عن جهدها في العناية والترتيب. والموظف قد يراه حين يهتم بمظهر عمله وسمعته. والتاجر قد يراه حين يعتني بعرض بضاعته. والطالب قد يراه حين يرتب مكان دراسته. وكبير السن قد يراه حين يكرم ضيوفه بمجلس مرتب. ولا يلزم من ذلك أن يقع شيء بعينه.
وللتفاصيل أثرها، فاللمعان الهادئ قد يميل إلى معنى النظافة والسكينة، واللمعان الشديد الذي يؤذي العين قد يميل إلى معنى الانبهار أو القلق من المظاهر. والكرسي اللامع في غرفة معتمة قد يعبر عن أمل وسط انشغال، واللامع في مكان مزدحم قد يعبر عن انجذاب إلى الأنظار. وإذا جلس عليه الرائي بهدوء فقد يعكس رضا عن حاله، وإذا خشي الجلوس خوفًا من إتلافه فقد يعكس حرصًا زائدًا. وكل ذلك قراءات احتمالية.
من الناحية النفسية، قد يكون الحلم انعكاسًا لرغبة في أن يكون الإنسان في أحسن صورة، أو لارتياح لما أنجزه من ترتيب. ويفيد أن يتأمل الرائي هل يتعب نفسه بمظاهر لا تلزمه، وهل يعطي ما يكفي لجوهر الأمور من خلق وصدق وعمل. ويفيد أن يوازن بين العناية بالمظهر والعناية بالمعنى. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، وإذا غلب القلق على الإنسان حول صورته أمام الناس وأرهقه فمن المناسب أن يتحدث مع مختص أو أحد الأهل. فالكلام يعين على رؤية الأمور بحجمها.
وليحذر الرائي من أن يظن اللمعان وعدًا بشيء حسن ينتظره، فالأحلام لا تضمن نتائج في الواقع. وإنما قد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بأن العناية بالأمور الصغيرة تعطي القلب راحة. ويحسن أن يجعل الرائي من هذا المعنى دافعًا إلى ترتيب بيته وعمله بهدوء، لا إلى التفاخر. فالتواضع مع حسن الترتيب يجمع جمال الظاهر وسلامة الباطن. وبذلك يستفيد من الحلم دون أن يفرط في تأويله.
وقد يكون لمعان الكرسي ذكرى جلسة طيبة جمعت الأهل والأحبة في يوم صفا فيه المجلس، فيعود الحلم إلى ذلك الأنس. وفي هذه الحالة يكفي أن يحمد الرائي الله على ما كان وأن يسعى إلى إعادة مثل هذه الجلسات. فاللمة العائلية من أجمل ما يضيء البيوت. ويحسن ألا يؤجل صلة الأحبة بحجة الانشغال، فالأيام تمضي سريعًا. وهذا المعنى أقرب إلى الواقع من أي تأويل غامض.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، وليس خبرًا عن مستقبل ولا تقييمًا لأحد. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يبني الرائي على منامه ما لا يثبت. وليحسن الظن بربه، وليدعه بأن ينير قلبه بالخير ويطيب له رزقه وبيته. ومن اطمأن إلى لطف الله أحسن عمله وهدأت نفسه.
